يوسف علي
31-May-2009, 01:58 PM
حتى أكثر الناس تفاؤلاً، يحكم بأن العلاقة بين وزارة التربية والتعليم السعودية وبين معلميها الوطنيين تمر هذه السنوات بأدنى مستوياتها. ورغم أنه لا تتوافر دراسات علمية كافية لمستويات الرضا الوظيفي لدى المعلمين، إلا أنه ثمة مرافعات قضائية، لا تدل على رضا وظيفي، تبذلها مجموعة من المعلمين في مقاضاة الوزارة والوزارات الأخرى ذات العلاقة بأوضاع المعلمين المادية تحديدًا. والقضية موضع الخصومة هي قضية تعيين أجيال من المعلمين على مستويات وظيفية أدنى من المستويات الوظيفية المستحقة طوال عقد مضى من السنوات؛ وربما كانت هذه هي المرة الأولى، وعساها أن تكون الأخيرة، في تاريخ التعليم النظامي بالمملكة التي تصل فيها قضايا المعلمين والوزارة إلى عتبات القضاء الإداري.
المنظمة التعليمية
ــ وزارة التربية والتعليم كمثال ــ
تتكون من جهازين رئيسيين؛ جهاز فني (تعليمي) وجهاز إداري. ولا يمكن للجهاز الفني (ممثلاً بالمعلمين بالدرجة الأولى) أن يكون فعالاً في تحقيق الأهداف التربوية ما لم يسنده ويخدمه الجهاز الإداري ويعمل على إشباع الحاجات الأساسية لأفراده، وتحفيزهم باستمرار، بكافة أشكال التحفيز المادي والمعنوي، دون أن يكون ذلك تضحية بمصلحة المنظمة التعليمية ككل.
القضية القائمة حاليًا بين وزارة التربية والتعليم وبين مجموعة المعلمين المترافعين لدى ديوان المظالم، يمكن معالجتها في إطار الحقل الإداري المعروف بمسمى «السلوك التنظيمي»، والذي يهتم بدراسة التأثير المتبادل بين سلوك المنظمة وسلوكيات الأفراد العاملين فيها. ويزخر السلوك التنظيمي بمفاهيم متعددة يمكن أن تؤدي دراستها، سواء من خلال المنهجية العلمية الإمبريقية أو من خلال اللجوء إلى الاستنباط والتأمل النظري، إلى أرضية مناسبة لاتخاذ قرارات إدارية رشيدة.
سلوك المعلم وفعالية التعليم
انطلقت المدرسة السلوكية في الإدارة من قناعة مفادها أن البيئة التنظيمية المحيطة بالفرد العامل-بنواحيها المادية والمعنوية - ذات تأثير مباشر وعميق في سلوكه. وجاء حقل السلوك التنظيمي، كحقل مميز في إطار المدرسة السلوكية، مركزًا على عدد من المفاهيم الإدارية، التي نذكر منها في هذه الورقة ما له علاقة بالقضية القائمة بين الوزارة ومعلميها هذه الأيام؛ وهي مفاهيم: العدالة التنظيمية، والدوافع، والحوافز، والرضا الوظيفي، وأداء الأفراد، والولاء التنظيمي، والمواطنة التنظيمية، والفعالية التنظيمية.
سنبدأ من المفهوم الأخير، مرورًا تنازليًا ببقية المفاهيم التي سبقته، وهو مفهوم «الفعالية التنظيمية»؛ فالفعالية التنظيمية تعني باختصار قيام الأفراد بتحقيق أهداف التنظيم وغاياته خصوصًا إذا كانت تلك الأهداف والغايات يصعب قياسها بدقة، وهو ما يمكن أن ينطبق بشكل كبير على التنظيم التربوي، فالأهداف التربوية تتصف بصعوبة القياس الكمي الدقيق، الأمر الذي يفسر شيوع المقاييس الفئوية في التربية وغياب المقاييس النسبية؛ اللهم إلا في قياس الخصائص الجسمية للطلبة كالطول والوزن. والفعالية تعتمد على «أداء أفراد التنظيم»، حيث يشير أداء الفرد العامل إلى سيره في خطوات وإجراءات المهام الموكلة إليه حتى إنجازها على الوجه المأمول.
وفي دراسات عديدة هناك ارتباط – وربما علاقات طردية- بين مستويات الأداء العالي وبين ممارسة الأفراد العاملين لنوعين من السلوك التنظيمي هما سلوك «الولاء التنظيمي» وسلوك «المواطنة التنظيمية»؛ بمعنى أن المفهومين الأخيرين من الدلائل والمؤشرات على ارتفاع مستوى الأداء التنظيمي.
فسلوك «الولاء التنظيمي» يظهر في صورة علاقة تبادلية ممزوجة بارتباط إيجابي بين الفرد وبين المنظمة التي يعمل بها، بما في ذلك استعداد الفرد للبقاء في المنظمة وبذله لأقصى الجهد في سبيل تحقيق أهدافها عن قناعة وإيمان بقيمها وتوجهاتها ورسالتها. فيما يعني سلوك المواطنة التنظيمية مجموعة الأفعال والمبادرات التطوعية، ذات الصفة غير الرسمية في الغالب، والتي يبذلها أفراد المنظمة كأسلوب للتعبير عن الولاء التنظيمي؛ وذلك من قبيل مساعدة الزملاء تطوعيًا في أعمالهم الرسمية وأمورهم الشخصية، ومساعدة العملاء (وهم الطلبة في المنظمة التعليمية)، وإبداء المقترحات والآراء حول تطوير المنظمة والنهوض بها، والقيام بأعمال إضافية غير مطلوبة رسميًا من الفرد، وتقدير ظروف المنظمة المادية والمعنوية، والصبر في الأزمات...ألخ.
والخلاصة أن منظمة تربوية هامة كوزارة التربية والتعليم تستهدف معلمًا ذا ولاء تنظيمي ممارسًا في نفس الوقت لسلوك المواطنة التنظيمية، وذلك لضمان ارتفاع مستوى أدائه إلى أقصى حد ممكن، وبالتالي ظهور الفعالية التنظيمية للوزارة متمثلة في تحقيق الأهداف التربوية على الوجه المأمول. لكن كثير من دراسات السلوك التنظيمي تربط بين الولاء التنظيمي والمواطنة التنظيمية وبين الرضا الوظيفي الذي يبديه الفرد عن منظمته والعمل فيها.
رضا المعلمين والحوافز
الرضا الوظيفي في أدبيات السلوك التنظيمي مفهوم ينطوي على حالة السرور والسعادة، وأي عاطفة إيجابية لدى الفرد العامل ناجمة عن رؤيته وتقييمه للعلاقة بينه وبين المنظمة التي يعمل بها. وجذور الرضا الوظيفي ترجع إلى الدافعية التي تعرّف بأنها ذلك الإحساس الداخلي لدى الفرد والذي يدفعه إلى سد حاجة معينة؛ فاتجاه الفرد إلى وظيفة معينة (كالتعليم) يأتي لسد حاجته إلى المال، وهو سلوك مبرر ومشروع وطبيعي، والحكم هنا لا ينفي وجود دوافع أخرى غير دافع الحاجة إلى المال.
وعندما يقرر الفرد (المعلم)،بدافع حاجته إلى المال، العمل في مهنة معينة (التعليم) في منظمة محددة (وزارة التربية والتعليم) فهو بحاجة إلى حوافز تضمن رضاه عن العمل الذي يمارسه، وبالتالي ولاءه وسلوكه للمواطنة التنظيمية وصولاً للأداء العالي والفعالية التنظيمية (تحقيق الأهداف والغايات التربوية).
والحوافز هي مؤثرات خارجية، بخلاف الدوافع التي هي مؤثرات داخلية، تقدمها المنظمة للأفراد العاملين بغية استثمار كل طاقاتهم في العمل وتحقيق مستوى عال من الأداء. والحوافز في أدبيات السلوك التنظيمي على أنواع: فهناك حوافز تقوم على إيجاد التنافس بين الأفراد العاملين بما في ذلك استثمار الصراع التنظيمي استثمارًا إيجابيًا لصالح المنظمة، وهناك حوافز تقوم على إيجاد روح التعاون والعمل الجماعي بينهم، وهناك الحوافز المعنوية كشهادات التقدير، وخطابات الشكر، والتكليف بمهام قيادية، والتكليف بأداء مسئوليات هامة، والأخذ بآراء الأفراد حول تطوير العمل (الديمقراطية)؛ إلا أن أهم أنواع الحوافز هي تلك الحوافز المادية المتمثلة في جزالة العائد المالي من العمل (المرتب)، والترقيات، والمكافآت، والبدلات، والعلاوات، وتحسين ظروف العمل..إلخ. وقد تواترت الدراسات الميدانية في الحقل الإداري مؤكدة وجود العلاقة السببية سلبًا وإيجابًا بين الحوافز – لاسيما الحوافز المادية- وبين الرضا الوظيفي للأفراد العاملين في منظمة ما.
العدالة التنظيمية والعدالة الاقتصادية
ترتبط الحوافز دومًا بمفهوم العدالة التنظيمية؛ فالحوافز تفقد قيمتها وأثرها الإيجابي المتوقع ما لم تقترن بالعدالة التنظيمية، وهي تعني بدورها حصول الفرد العامل على نفس الحوافز التي يحصل عليها فرد عامل آخر يمارس نفس العمل بنفس المستوى من الأداء. أي أن العدالة التنظيمية هي عدالة في توزيع العمل وعدالة في تماثل إجراءاته وعدالة في مقادير الحوافز المادية والمعنوية. ومن وجوه العدالة وجود تمييز (وليس في التعبير تعارض) بين فردين عاملين، وذلك بمنح صاحب الأداء الأعلى عائدًا أعلى ومنح صاحب الأداء الأدنى عائدًا أدنى.
في وزارة التربية والتعليم هناك استهداف للعدالة التنظيمية بين المعلمين فيما يتعلق بالحافز المادي عن طريق منح جميع المعلمين نفس المرتب ونفس العلاوات السنوية، وذلك بافتراض عدالة توزيع العمل والإجراءات عليهم بنفس القدر؛ مع مراعاة الجانب الآخر من العدالة وهو تمييز ذوي الأداء الأعلى بحوافز معنوية إضافية؛ كالتكليف بالأعمال التربوية القيادية والتكريم وخطابات الشكر وغيرها، وهناك حوافز مادية إضافية مرهونة بوقت محدد كالبدلات (بدل المناطق النائية كمثال) والمكافآت (كمكافآت التدريب).
إلا أن للعدالة في المنظمات التعليمية الكبيرة، كوزارة التربية والتعليم، جانب آخر يوازي العدالة التنظيمية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه العدالة الاقتصادية في تمويل التعليم، ونعني بذلك العدالة في توزيع المخصصات المالية لقطاع التعليم على كافة جوانب العملية التعليمة بما فيها أجور وحوافز المعلمين.
صحيح أن المعلم أهم عناصر العملية التعليمة على الإطلاق، إلا أن مكانة المعلم في هذه العملية لا تلغي أهمية جوانبها الأخرى الجديرة بالإنفاق عليها؛ كالإنفاق على المباني المدرسية وتطوير المناهج وتوفير الوسائل والتقنيات التربوية والنشاط الطلابي وتحسين البيئة التعليمة ككل؛ فالمعلم في النهاية يحتاج إلى مبنى مدرسي ملائم وإلى منهج متكامل وإلى وسائل وتقنيات وبيئة تعليمية تربوية راقية؛ وإلا فسوف لن يحقق المعلم فعالية تنظيمية مقبولة مهما كان الحافز والعائد المادي الذي يتقاضاه.
أصل القضية
في تقدير الكثيرين أن استهداف هذا النوع من العدالة الاقتصادية، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وانخفاض لأسعار النفط خلال العقد المنصرم من السنوات، هو ما حدا بوزارة التربية والتعليم السعودية، والجهات ذات العلاقة، أن تقوم بتعيين أجيال من المعلمين في مستويات وظيفية دون المستويات الوظيفية المستحقة لهم، الأمر الذي أدى إلى إخلال بالعدالة التنظيمية بين تلك الأجيال من المعلمين وبين الأجيال التي سبقتها بسنوات قليلة. وربما كان مبرر الوزارة في هذا الشأن أنه من غير المعقول -من ناحية اقتصادية- الميل إلى النفقات الجارية (كالمرتبات) على حساب النفقات الثابتة (كالمباني والتجهيزات والمناهج...)؛ رغم أن النفقات الجارية (المرتبات) كانت وما زالت تستهلك ما يزيد عن 85% من مخصصات التعليم!
من المحتمل أن وزارة التربية والتعليم ووزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية والجهات ذات العلاقة، في تلك السنوات، كانت في مواجهة عدة بدائل: توظيف معلمين وطنيين بمرتبات عالية أو متعاقدين بمرتبات أدنى، وكان القرار المتوقع والمفترض هو تعيين المعلمين الوطنيين. وكانت هناك موازنة بين تعيين معلمين بالعدد الكافي وبين تعيين معلمين بعدد أقل مع إرهاق المعلمين بحصص وأعمال إضافية، وكان القرار بتوظيف معلمين بالعدد الكافي؛ ليكون الحل الوحيد هو تعيين المعلمين على مستويات وظيفية أدنى من المستحقة، وهو الخيار الذي قبله خريجو كليات المعلمين والتربية المتقدين للعمل في سلك التعليم؛ إذ إن الخيار الثاني أمامهم ليس سوى البطالة أو العمل في التعليم الأهلي، وهذا الأخير لم تنضج تجربته محليًا، خصوصًا فيما يتعلق بالعوائد والحوافز المادية للمعلمين. والحقيقة أنه لم تظهر خلال هذه الفترة دراسات تربوية -وفي حقل الإدارة التربوية تحديدًا- حول العلاقة المحتملة بدرجة كبيرة بين هذا الوضع الوظيفي الاستثنائي وبين مستوى الرضا الوظيفي لدى المعلمين أصحاب القضية.
استجابة ملكية كريمة
في السنوات القليلة الماضية سجلت البلاد أعلى ميزانية في تاريخها، كنتيجة طبيعية ومباشرة للارتفاع الملحوظ في سعر السلعة القومية للبلاد (النفط) في الأسواق العالمية، وجاء في سياق الميزانية العامة للبلاد أكبر ميزانية لقطاع التعليم. وكان من المتوقع – وهو ما حدث بالفعل- أن يقوم المعلمون أصحاب القضية بإثارة قضية وضعهم الوظيفي، وذلك باللجوء إلى القضاء الإداري بالمملكة (ديوان المظالم)، وهو سلوك ينم عن وعي بالقنوات النظامية السليمة للمطالبة بالحقوق المشروعة التي يقرها النظام، بعيدًا عن سلوكيات الغوغاء والفوضى التي تربك العمل التربوي ولا تعود على المعلمين والعمل التربوي بالنفع. إلا أن رفع مثل هذه القضية إلى القضاء الإداري لا ينم بحال من الأحوال عن مستوى مقبول من الرضا الوظيفي لدى أولئك المعلمين.
وفي الوقت الذي لم يفصل فيه القضاء الإداري السعودي في هذه القضية -حتى الآن- يصدر توجيه ملكي سام، يستقبله المعلمون أصحاب القضية برضا وارتياح كبير، ويقضي التوجيه الملكي بتكوين لجنة وزارية رفيعة المستوى لدراسة وضع المعلمين والمعلمات المعينين على مستويات أقل من المستويات التي يستحقونها من جميع الجوانب، واقتراح أفضل السبل لمعالجة هذا الوضع. من جهتها أوضحت وزارة التربية والتعليم أن عدد المعلمين والمعلمات المعنيين بهذا التوجيه يتجاوز 180 ألف معلم ومعلمة من إجمالي المعلمين والمعلمات الذين يبلغ عددهم 450 ألفًا.
من المحتمل أن أمام اللجنة المشكلة لدراسة هذا الوضع الاستثنائي عدة بدائل، وأنها تسعى لقرار رشيد باتخاذ البديل الذي يستجلب الرضا الوظيفي للمعلمين أصحاب القضية ويستجلب العدالة التنظيمية بين السابقين واللاحقين من المعلمين في الأجور والحوافز، وفي نفس الوقت لا يضحي ذلك القرار بالعدالة الاقتصادية في تمويل التعليم ولا يرهق مخصصات التعليم بالنفقات الجارية بصورة ارتفاع مفاجئ وكبير في المرتبات وصرف مبالغ ضخمة أخرى بصورة تعويضات وأثر رجعي. وهي معادلة صعبة نوعًا ما وتحتاج في حلها إلى تبرير أي بديل مطروح أو متخذ بصورة منطقية ومقنعة خصوصًا للمعلمين أصحاب القضية. وفي هذا الشأن يمكن اقتراح البديل التالي..
عدالة تنظيمية وعدالة اقتصادية في آن
لدواعي الاختصار نحيل القارئ الكريم إلى مراجعة سلم المرتّبات الخاص بالوظائف التعليمية بمستوياته المتدرجة من الأول حتى السادس. وإلى نظام الخدمة المدنية المتعلق بالترقيات، والذي يتم بموجبه ترقية المعلم من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى بمنح المعلم مرتّب الدرجة التي تساوي مرتّبه في المستوى السابق، بحيث يكون الفرق لصالح المعلم في حالة عدم تساوي مرتّبي الدرجتين في كلا المستويين.
منذ فترة طويلة نسبيًا، سبقت ظهور القضية القائمة، تقرر أن يكون الحد الأدنى للتعيين على وظيفة معلم في المملكة العربية السعودية هو الحصول على الدرجة الجامعية (البكالوريوس)؛ وإذا كانت الدرجة الجامعية غير مترافقة مع إعداد تربوي يعين المعلم على المستوى الرابع، أما إذا ترافقت مع إعداد تربوي أو تلاها برنامج تأهيل تربوي (كالدبلوم التربوي) فيعين المعلم على المستوى الخامس، فيما يعين أو يرقى الحاصل على الماجستير أو الدكتوراه إلى المستوى السادس.
والبديل المطروح من وجهة نظر هذه الورقة هو «ترقية جميع المعلمين إلى المستويات الوظيفية المستحقة لهم (المستوى الرابع لغير التربويين والمستوى الخامس للتربويين)، وذلك وفق نظام الترقية المعمول به في نظام الخدمة المدنية، والمشار إليه أعلاه» ولعل هذا البديل يحقق مزيتين في وقت واحد:
المزية الأولى؛ وتتمثل في العدالة التنظيمية بين المعلمين السابقين والمعلمين الذين سوف يتم ترقيتهم والمعلمين الذين سيتم تعيينهم مستقبلاً؛ فصحيح أن الترقية بهذه الطريقة لا تحدث زيادة آنية وكبيرة في مرتّب المعلم الذي تمت ترقيته وفق هذا البديل، ولكنها تجعل عدد العلاوات السنوية أمامه أكثر من عدد العلاوات السنوية للمعلم الذي سبقه بالتعيين؛خصوصًا وأن معظم العلاوات الماضية للمعلمين السابقين كانت في فترة ما قبل الزيادة الملكية في مرتبات موظفي الدولة الأخيرة بمقدار 15%، وبهذا تكون العلاوات السنوية للمعلمين الذين سوف تتم ترقيتهم متفوقة بمقدار 15% عن المعلمين السابقين قبل الزيادة المذكورة؛ وإذا ما جعلنا من يوم التقاعد معيارًا للمقارنة بين المعلمين السابقين واللاحقين سنجد أن المقارنة تأتي لصالح المعلم الذي تم تعديل وضعه وفق هذا البديل.
المزية الثانية؛ وتتمثل في العدالة الاقتصادية في الإنفاق على العملية التعليمية كاملة، بما فيها المعلم نفسه، بحيث لا يطغى إجراء تعديل أوضاع المعلمين -أصحاب القضية- على أحقية جوانب العملية التعليمية الأخرى بمخصصات مالية كافية؛ كالمباني والتجهيزات والمناهج والأنشطة... فالمعلم في النهاية – وكما ذكر سابقًا- يحتاج إلى مبنى مدرسي ملائم وإلى منهج متكامل وإلى وسائل وتقنيات وبيئة تعليمية تربوية راقية، وإلا لن يحقق فعالية تنظيمية كافية مهما كان الحافز والعائد المادي الذي يتقاضاه.
حالة افتراضية
لتوضيح وتبسيط البديل المطروح أعلاه سندرس حالة افتراضية للمقارنة بين اثنين من المعلمين، عمر كل منهما سنة التعيين 25 عامًا، وكلاهما يحمل درجة البكالوريوس والإعداد التربوي، أي أنهما مستحقين للمستوى الخامس؛ أولهما تم تعيينه عام 1413هـ على المستوى المستحق (الخامس)، والثاني تم تعيينه عام 1419هـ، على مستوى أدنى (الثالث)، وذلك باعتبار أن الزيادة الملكية لموظفي الدولة عام 1426هـ بمقدار 15%، موجودة مسبقًا. والمقارنة يوضحها الجدول التالي:
وبقراءة الجدول يتضح أن هناك عدة نقاط ترجح كفة المعلم الثاني المعين عام 1419هـ على المستوى الثالث، والذي ستتم ترقيته إلى المستوى الخامس بداية عام 1430هـ، في مقابل المعلم الذي تم تعيينه أساسًا على المستوى الخامس منذ عام 1413هـ، وإن كانت الفائدة تأتي على المدى الطويل لسنوات الخدمة القادمة، لكنها في نفس الوقت ذات تأثير طفيف وتدريجي على المخصصات المالية لوزارة التربية والتعليم، خصوصًا وأن السنوات الحالية تشهد تركيزًا على تطوير العلمية التعليمة من كافة جوانبها خصوصًا ما يعلق بالبنية التحتية للتعليم وأصوله الرأسمالية الثابتة من مباني وتجهيزات وغيرها...
ماذا عن الأثر الرجعي؟
من ضمن تفصيلات القضية القائمة بين المعلمين أصحاب القضية والجهات ذات العلاقة بأوضاعهم المادية لدى القضاء الإداري السعودي؛ مسألة مطالبة المعلمين بأثر رجعي على هيئة مبالغ مالية تصرف لهم مرة واحدة مساوية للنقص المالي الذي لحق بهم خلال العقد الماضي، وذلك تصورًا من المعلمين أصحاب القضية أن ذلك سيكون محققًا للعدالة التنظيمية بينهم وبين المعلمين السابقين. لكن ذلك يعني وفق هذا التصور تعيينهم على نفس الدرجة من المستوى الخامس، الأمر الذي يخالف نظام الخدمة المدنية في الترقيات، كما سوف يؤدي إلى نقص العلاوات السنوية القادمة أمامهم. يضاف إلى ذلك ضخامة المبالغ اللازمة لمثل هذا الأثر الرجعي على هذه الهيئة، والتي يمكن استثمارها في الصرف على الجوانب المكملة والهامة للعملية التعليمية.
لكن الأثر الرجعي قد يكون حق مشروع للمعلمين أصحاب القضية في مجال مقارنتهم بمن سبقهم بالتعيين وبمن سيتم تعيينهم فيما بعد عام 1430هـ من المعلمين الجدد(عودة إلى افتراضات الحالة الافتراضية السابقة)؛ وهنا يكون جديرًا بالترقية المقترحة في هذه الورقة أن تكون مسنودة بأثر رجعي للفرق في العلاوات السنوية السابقة لسنة الترقية الافتراضية (1430هـ). فعلى سبيل المثال ووفقًا للحالة الافتراضية السابقة يمكن حساب الأثر الرجعي في العلاوات السنوية السابقة كالتالي:
(علاوة المستوى الخامس- علاوة المستوى الثالث) * عدد شهور السنة + سنوات البقاء في مستوى وظيفي أدنى
=(440-375ريالاً)*12شهرا *10 سنوات = 7800 ريال لكل معلم ومعلمة.
وعندما نقوم بضرب هذا الأثر الرجعي للعلاوات السنوية السابقة بالعدد الكلي للمعلمين والمعلمات أصحاب القضية، والذين يقدر عددهم حاليًا بحوالي مائة وثمانين ألف معلم ومعلمة، نجد أن المبلغ المطلوب للأثر الرجعي المحقق للعدالة التنظيمية بين المعلمين أصحاب القضية ومن سيتم تعيينه مستقبلاً على المستوى الخامس هو التالي:
عدد المعلمين والمعلمات أصحاب القضية * الأثر الرجعي لكل معلم ومعلمة
= 180000 معلم ومعلمة *7800 ريال = 1.404.000.000 ريالاً.
وهو مبلغ معقول أن يصرف كأثر رجعي يقلص الفوارق بين جميع المعلمين أصحاب القضية وبين من سبقهم في التعيين ومن سيتلوهم.
محمد فالح الجهني ـ المدينة المنورة
العدد 163
المنظمة التعليمية
ــ وزارة التربية والتعليم كمثال ــ
تتكون من جهازين رئيسيين؛ جهاز فني (تعليمي) وجهاز إداري. ولا يمكن للجهاز الفني (ممثلاً بالمعلمين بالدرجة الأولى) أن يكون فعالاً في تحقيق الأهداف التربوية ما لم يسنده ويخدمه الجهاز الإداري ويعمل على إشباع الحاجات الأساسية لأفراده، وتحفيزهم باستمرار، بكافة أشكال التحفيز المادي والمعنوي، دون أن يكون ذلك تضحية بمصلحة المنظمة التعليمية ككل.
القضية القائمة حاليًا بين وزارة التربية والتعليم وبين مجموعة المعلمين المترافعين لدى ديوان المظالم، يمكن معالجتها في إطار الحقل الإداري المعروف بمسمى «السلوك التنظيمي»، والذي يهتم بدراسة التأثير المتبادل بين سلوك المنظمة وسلوكيات الأفراد العاملين فيها. ويزخر السلوك التنظيمي بمفاهيم متعددة يمكن أن تؤدي دراستها، سواء من خلال المنهجية العلمية الإمبريقية أو من خلال اللجوء إلى الاستنباط والتأمل النظري، إلى أرضية مناسبة لاتخاذ قرارات إدارية رشيدة.
سلوك المعلم وفعالية التعليم
انطلقت المدرسة السلوكية في الإدارة من قناعة مفادها أن البيئة التنظيمية المحيطة بالفرد العامل-بنواحيها المادية والمعنوية - ذات تأثير مباشر وعميق في سلوكه. وجاء حقل السلوك التنظيمي، كحقل مميز في إطار المدرسة السلوكية، مركزًا على عدد من المفاهيم الإدارية، التي نذكر منها في هذه الورقة ما له علاقة بالقضية القائمة بين الوزارة ومعلميها هذه الأيام؛ وهي مفاهيم: العدالة التنظيمية، والدوافع، والحوافز، والرضا الوظيفي، وأداء الأفراد، والولاء التنظيمي، والمواطنة التنظيمية، والفعالية التنظيمية.
سنبدأ من المفهوم الأخير، مرورًا تنازليًا ببقية المفاهيم التي سبقته، وهو مفهوم «الفعالية التنظيمية»؛ فالفعالية التنظيمية تعني باختصار قيام الأفراد بتحقيق أهداف التنظيم وغاياته خصوصًا إذا كانت تلك الأهداف والغايات يصعب قياسها بدقة، وهو ما يمكن أن ينطبق بشكل كبير على التنظيم التربوي، فالأهداف التربوية تتصف بصعوبة القياس الكمي الدقيق، الأمر الذي يفسر شيوع المقاييس الفئوية في التربية وغياب المقاييس النسبية؛ اللهم إلا في قياس الخصائص الجسمية للطلبة كالطول والوزن. والفعالية تعتمد على «أداء أفراد التنظيم»، حيث يشير أداء الفرد العامل إلى سيره في خطوات وإجراءات المهام الموكلة إليه حتى إنجازها على الوجه المأمول.
وفي دراسات عديدة هناك ارتباط – وربما علاقات طردية- بين مستويات الأداء العالي وبين ممارسة الأفراد العاملين لنوعين من السلوك التنظيمي هما سلوك «الولاء التنظيمي» وسلوك «المواطنة التنظيمية»؛ بمعنى أن المفهومين الأخيرين من الدلائل والمؤشرات على ارتفاع مستوى الأداء التنظيمي.
فسلوك «الولاء التنظيمي» يظهر في صورة علاقة تبادلية ممزوجة بارتباط إيجابي بين الفرد وبين المنظمة التي يعمل بها، بما في ذلك استعداد الفرد للبقاء في المنظمة وبذله لأقصى الجهد في سبيل تحقيق أهدافها عن قناعة وإيمان بقيمها وتوجهاتها ورسالتها. فيما يعني سلوك المواطنة التنظيمية مجموعة الأفعال والمبادرات التطوعية، ذات الصفة غير الرسمية في الغالب، والتي يبذلها أفراد المنظمة كأسلوب للتعبير عن الولاء التنظيمي؛ وذلك من قبيل مساعدة الزملاء تطوعيًا في أعمالهم الرسمية وأمورهم الشخصية، ومساعدة العملاء (وهم الطلبة في المنظمة التعليمية)، وإبداء المقترحات والآراء حول تطوير المنظمة والنهوض بها، والقيام بأعمال إضافية غير مطلوبة رسميًا من الفرد، وتقدير ظروف المنظمة المادية والمعنوية، والصبر في الأزمات...ألخ.
والخلاصة أن منظمة تربوية هامة كوزارة التربية والتعليم تستهدف معلمًا ذا ولاء تنظيمي ممارسًا في نفس الوقت لسلوك المواطنة التنظيمية، وذلك لضمان ارتفاع مستوى أدائه إلى أقصى حد ممكن، وبالتالي ظهور الفعالية التنظيمية للوزارة متمثلة في تحقيق الأهداف التربوية على الوجه المأمول. لكن كثير من دراسات السلوك التنظيمي تربط بين الولاء التنظيمي والمواطنة التنظيمية وبين الرضا الوظيفي الذي يبديه الفرد عن منظمته والعمل فيها.
رضا المعلمين والحوافز
الرضا الوظيفي في أدبيات السلوك التنظيمي مفهوم ينطوي على حالة السرور والسعادة، وأي عاطفة إيجابية لدى الفرد العامل ناجمة عن رؤيته وتقييمه للعلاقة بينه وبين المنظمة التي يعمل بها. وجذور الرضا الوظيفي ترجع إلى الدافعية التي تعرّف بأنها ذلك الإحساس الداخلي لدى الفرد والذي يدفعه إلى سد حاجة معينة؛ فاتجاه الفرد إلى وظيفة معينة (كالتعليم) يأتي لسد حاجته إلى المال، وهو سلوك مبرر ومشروع وطبيعي، والحكم هنا لا ينفي وجود دوافع أخرى غير دافع الحاجة إلى المال.
وعندما يقرر الفرد (المعلم)،بدافع حاجته إلى المال، العمل في مهنة معينة (التعليم) في منظمة محددة (وزارة التربية والتعليم) فهو بحاجة إلى حوافز تضمن رضاه عن العمل الذي يمارسه، وبالتالي ولاءه وسلوكه للمواطنة التنظيمية وصولاً للأداء العالي والفعالية التنظيمية (تحقيق الأهداف والغايات التربوية).
والحوافز هي مؤثرات خارجية، بخلاف الدوافع التي هي مؤثرات داخلية، تقدمها المنظمة للأفراد العاملين بغية استثمار كل طاقاتهم في العمل وتحقيق مستوى عال من الأداء. والحوافز في أدبيات السلوك التنظيمي على أنواع: فهناك حوافز تقوم على إيجاد التنافس بين الأفراد العاملين بما في ذلك استثمار الصراع التنظيمي استثمارًا إيجابيًا لصالح المنظمة، وهناك حوافز تقوم على إيجاد روح التعاون والعمل الجماعي بينهم، وهناك الحوافز المعنوية كشهادات التقدير، وخطابات الشكر، والتكليف بمهام قيادية، والتكليف بأداء مسئوليات هامة، والأخذ بآراء الأفراد حول تطوير العمل (الديمقراطية)؛ إلا أن أهم أنواع الحوافز هي تلك الحوافز المادية المتمثلة في جزالة العائد المالي من العمل (المرتب)، والترقيات، والمكافآت، والبدلات، والعلاوات، وتحسين ظروف العمل..إلخ. وقد تواترت الدراسات الميدانية في الحقل الإداري مؤكدة وجود العلاقة السببية سلبًا وإيجابًا بين الحوافز – لاسيما الحوافز المادية- وبين الرضا الوظيفي للأفراد العاملين في منظمة ما.
العدالة التنظيمية والعدالة الاقتصادية
ترتبط الحوافز دومًا بمفهوم العدالة التنظيمية؛ فالحوافز تفقد قيمتها وأثرها الإيجابي المتوقع ما لم تقترن بالعدالة التنظيمية، وهي تعني بدورها حصول الفرد العامل على نفس الحوافز التي يحصل عليها فرد عامل آخر يمارس نفس العمل بنفس المستوى من الأداء. أي أن العدالة التنظيمية هي عدالة في توزيع العمل وعدالة في تماثل إجراءاته وعدالة في مقادير الحوافز المادية والمعنوية. ومن وجوه العدالة وجود تمييز (وليس في التعبير تعارض) بين فردين عاملين، وذلك بمنح صاحب الأداء الأعلى عائدًا أعلى ومنح صاحب الأداء الأدنى عائدًا أدنى.
في وزارة التربية والتعليم هناك استهداف للعدالة التنظيمية بين المعلمين فيما يتعلق بالحافز المادي عن طريق منح جميع المعلمين نفس المرتب ونفس العلاوات السنوية، وذلك بافتراض عدالة توزيع العمل والإجراءات عليهم بنفس القدر؛ مع مراعاة الجانب الآخر من العدالة وهو تمييز ذوي الأداء الأعلى بحوافز معنوية إضافية؛ كالتكليف بالأعمال التربوية القيادية والتكريم وخطابات الشكر وغيرها، وهناك حوافز مادية إضافية مرهونة بوقت محدد كالبدلات (بدل المناطق النائية كمثال) والمكافآت (كمكافآت التدريب).
إلا أن للعدالة في المنظمات التعليمية الكبيرة، كوزارة التربية والتعليم، جانب آخر يوازي العدالة التنظيمية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه العدالة الاقتصادية في تمويل التعليم، ونعني بذلك العدالة في توزيع المخصصات المالية لقطاع التعليم على كافة جوانب العملية التعليمة بما فيها أجور وحوافز المعلمين.
صحيح أن المعلم أهم عناصر العملية التعليمة على الإطلاق، إلا أن مكانة المعلم في هذه العملية لا تلغي أهمية جوانبها الأخرى الجديرة بالإنفاق عليها؛ كالإنفاق على المباني المدرسية وتطوير المناهج وتوفير الوسائل والتقنيات التربوية والنشاط الطلابي وتحسين البيئة التعليمة ككل؛ فالمعلم في النهاية يحتاج إلى مبنى مدرسي ملائم وإلى منهج متكامل وإلى وسائل وتقنيات وبيئة تعليمية تربوية راقية؛ وإلا فسوف لن يحقق المعلم فعالية تنظيمية مقبولة مهما كان الحافز والعائد المادي الذي يتقاضاه.
أصل القضية
في تقدير الكثيرين أن استهداف هذا النوع من العدالة الاقتصادية، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وانخفاض لأسعار النفط خلال العقد المنصرم من السنوات، هو ما حدا بوزارة التربية والتعليم السعودية، والجهات ذات العلاقة، أن تقوم بتعيين أجيال من المعلمين في مستويات وظيفية دون المستويات الوظيفية المستحقة لهم، الأمر الذي أدى إلى إخلال بالعدالة التنظيمية بين تلك الأجيال من المعلمين وبين الأجيال التي سبقتها بسنوات قليلة. وربما كان مبرر الوزارة في هذا الشأن أنه من غير المعقول -من ناحية اقتصادية- الميل إلى النفقات الجارية (كالمرتبات) على حساب النفقات الثابتة (كالمباني والتجهيزات والمناهج...)؛ رغم أن النفقات الجارية (المرتبات) كانت وما زالت تستهلك ما يزيد عن 85% من مخصصات التعليم!
من المحتمل أن وزارة التربية والتعليم ووزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية والجهات ذات العلاقة، في تلك السنوات، كانت في مواجهة عدة بدائل: توظيف معلمين وطنيين بمرتبات عالية أو متعاقدين بمرتبات أدنى، وكان القرار المتوقع والمفترض هو تعيين المعلمين الوطنيين. وكانت هناك موازنة بين تعيين معلمين بالعدد الكافي وبين تعيين معلمين بعدد أقل مع إرهاق المعلمين بحصص وأعمال إضافية، وكان القرار بتوظيف معلمين بالعدد الكافي؛ ليكون الحل الوحيد هو تعيين المعلمين على مستويات وظيفية أدنى من المستحقة، وهو الخيار الذي قبله خريجو كليات المعلمين والتربية المتقدين للعمل في سلك التعليم؛ إذ إن الخيار الثاني أمامهم ليس سوى البطالة أو العمل في التعليم الأهلي، وهذا الأخير لم تنضج تجربته محليًا، خصوصًا فيما يتعلق بالعوائد والحوافز المادية للمعلمين. والحقيقة أنه لم تظهر خلال هذه الفترة دراسات تربوية -وفي حقل الإدارة التربوية تحديدًا- حول العلاقة المحتملة بدرجة كبيرة بين هذا الوضع الوظيفي الاستثنائي وبين مستوى الرضا الوظيفي لدى المعلمين أصحاب القضية.
استجابة ملكية كريمة
في السنوات القليلة الماضية سجلت البلاد أعلى ميزانية في تاريخها، كنتيجة طبيعية ومباشرة للارتفاع الملحوظ في سعر السلعة القومية للبلاد (النفط) في الأسواق العالمية، وجاء في سياق الميزانية العامة للبلاد أكبر ميزانية لقطاع التعليم. وكان من المتوقع – وهو ما حدث بالفعل- أن يقوم المعلمون أصحاب القضية بإثارة قضية وضعهم الوظيفي، وذلك باللجوء إلى القضاء الإداري بالمملكة (ديوان المظالم)، وهو سلوك ينم عن وعي بالقنوات النظامية السليمة للمطالبة بالحقوق المشروعة التي يقرها النظام، بعيدًا عن سلوكيات الغوغاء والفوضى التي تربك العمل التربوي ولا تعود على المعلمين والعمل التربوي بالنفع. إلا أن رفع مثل هذه القضية إلى القضاء الإداري لا ينم بحال من الأحوال عن مستوى مقبول من الرضا الوظيفي لدى أولئك المعلمين.
وفي الوقت الذي لم يفصل فيه القضاء الإداري السعودي في هذه القضية -حتى الآن- يصدر توجيه ملكي سام، يستقبله المعلمون أصحاب القضية برضا وارتياح كبير، ويقضي التوجيه الملكي بتكوين لجنة وزارية رفيعة المستوى لدراسة وضع المعلمين والمعلمات المعينين على مستويات أقل من المستويات التي يستحقونها من جميع الجوانب، واقتراح أفضل السبل لمعالجة هذا الوضع. من جهتها أوضحت وزارة التربية والتعليم أن عدد المعلمين والمعلمات المعنيين بهذا التوجيه يتجاوز 180 ألف معلم ومعلمة من إجمالي المعلمين والمعلمات الذين يبلغ عددهم 450 ألفًا.
من المحتمل أن أمام اللجنة المشكلة لدراسة هذا الوضع الاستثنائي عدة بدائل، وأنها تسعى لقرار رشيد باتخاذ البديل الذي يستجلب الرضا الوظيفي للمعلمين أصحاب القضية ويستجلب العدالة التنظيمية بين السابقين واللاحقين من المعلمين في الأجور والحوافز، وفي نفس الوقت لا يضحي ذلك القرار بالعدالة الاقتصادية في تمويل التعليم ولا يرهق مخصصات التعليم بالنفقات الجارية بصورة ارتفاع مفاجئ وكبير في المرتبات وصرف مبالغ ضخمة أخرى بصورة تعويضات وأثر رجعي. وهي معادلة صعبة نوعًا ما وتحتاج في حلها إلى تبرير أي بديل مطروح أو متخذ بصورة منطقية ومقنعة خصوصًا للمعلمين أصحاب القضية. وفي هذا الشأن يمكن اقتراح البديل التالي..
عدالة تنظيمية وعدالة اقتصادية في آن
لدواعي الاختصار نحيل القارئ الكريم إلى مراجعة سلم المرتّبات الخاص بالوظائف التعليمية بمستوياته المتدرجة من الأول حتى السادس. وإلى نظام الخدمة المدنية المتعلق بالترقيات، والذي يتم بموجبه ترقية المعلم من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى بمنح المعلم مرتّب الدرجة التي تساوي مرتّبه في المستوى السابق، بحيث يكون الفرق لصالح المعلم في حالة عدم تساوي مرتّبي الدرجتين في كلا المستويين.
منذ فترة طويلة نسبيًا، سبقت ظهور القضية القائمة، تقرر أن يكون الحد الأدنى للتعيين على وظيفة معلم في المملكة العربية السعودية هو الحصول على الدرجة الجامعية (البكالوريوس)؛ وإذا كانت الدرجة الجامعية غير مترافقة مع إعداد تربوي يعين المعلم على المستوى الرابع، أما إذا ترافقت مع إعداد تربوي أو تلاها برنامج تأهيل تربوي (كالدبلوم التربوي) فيعين المعلم على المستوى الخامس، فيما يعين أو يرقى الحاصل على الماجستير أو الدكتوراه إلى المستوى السادس.
والبديل المطروح من وجهة نظر هذه الورقة هو «ترقية جميع المعلمين إلى المستويات الوظيفية المستحقة لهم (المستوى الرابع لغير التربويين والمستوى الخامس للتربويين)، وذلك وفق نظام الترقية المعمول به في نظام الخدمة المدنية، والمشار إليه أعلاه» ولعل هذا البديل يحقق مزيتين في وقت واحد:
المزية الأولى؛ وتتمثل في العدالة التنظيمية بين المعلمين السابقين والمعلمين الذين سوف يتم ترقيتهم والمعلمين الذين سيتم تعيينهم مستقبلاً؛ فصحيح أن الترقية بهذه الطريقة لا تحدث زيادة آنية وكبيرة في مرتّب المعلم الذي تمت ترقيته وفق هذا البديل، ولكنها تجعل عدد العلاوات السنوية أمامه أكثر من عدد العلاوات السنوية للمعلم الذي سبقه بالتعيين؛خصوصًا وأن معظم العلاوات الماضية للمعلمين السابقين كانت في فترة ما قبل الزيادة الملكية في مرتبات موظفي الدولة الأخيرة بمقدار 15%، وبهذا تكون العلاوات السنوية للمعلمين الذين سوف تتم ترقيتهم متفوقة بمقدار 15% عن المعلمين السابقين قبل الزيادة المذكورة؛ وإذا ما جعلنا من يوم التقاعد معيارًا للمقارنة بين المعلمين السابقين واللاحقين سنجد أن المقارنة تأتي لصالح المعلم الذي تم تعديل وضعه وفق هذا البديل.
المزية الثانية؛ وتتمثل في العدالة الاقتصادية في الإنفاق على العملية التعليمية كاملة، بما فيها المعلم نفسه، بحيث لا يطغى إجراء تعديل أوضاع المعلمين -أصحاب القضية- على أحقية جوانب العملية التعليمية الأخرى بمخصصات مالية كافية؛ كالمباني والتجهيزات والمناهج والأنشطة... فالمعلم في النهاية – وكما ذكر سابقًا- يحتاج إلى مبنى مدرسي ملائم وإلى منهج متكامل وإلى وسائل وتقنيات وبيئة تعليمية تربوية راقية، وإلا لن يحقق فعالية تنظيمية كافية مهما كان الحافز والعائد المادي الذي يتقاضاه.
حالة افتراضية
لتوضيح وتبسيط البديل المطروح أعلاه سندرس حالة افتراضية للمقارنة بين اثنين من المعلمين، عمر كل منهما سنة التعيين 25 عامًا، وكلاهما يحمل درجة البكالوريوس والإعداد التربوي، أي أنهما مستحقين للمستوى الخامس؛ أولهما تم تعيينه عام 1413هـ على المستوى المستحق (الخامس)، والثاني تم تعيينه عام 1419هـ، على مستوى أدنى (الثالث)، وذلك باعتبار أن الزيادة الملكية لموظفي الدولة عام 1426هـ بمقدار 15%، موجودة مسبقًا. والمقارنة يوضحها الجدول التالي:
وبقراءة الجدول يتضح أن هناك عدة نقاط ترجح كفة المعلم الثاني المعين عام 1419هـ على المستوى الثالث، والذي ستتم ترقيته إلى المستوى الخامس بداية عام 1430هـ، في مقابل المعلم الذي تم تعيينه أساسًا على المستوى الخامس منذ عام 1413هـ، وإن كانت الفائدة تأتي على المدى الطويل لسنوات الخدمة القادمة، لكنها في نفس الوقت ذات تأثير طفيف وتدريجي على المخصصات المالية لوزارة التربية والتعليم، خصوصًا وأن السنوات الحالية تشهد تركيزًا على تطوير العلمية التعليمة من كافة جوانبها خصوصًا ما يعلق بالبنية التحتية للتعليم وأصوله الرأسمالية الثابتة من مباني وتجهيزات وغيرها...
ماذا عن الأثر الرجعي؟
من ضمن تفصيلات القضية القائمة بين المعلمين أصحاب القضية والجهات ذات العلاقة بأوضاعهم المادية لدى القضاء الإداري السعودي؛ مسألة مطالبة المعلمين بأثر رجعي على هيئة مبالغ مالية تصرف لهم مرة واحدة مساوية للنقص المالي الذي لحق بهم خلال العقد الماضي، وذلك تصورًا من المعلمين أصحاب القضية أن ذلك سيكون محققًا للعدالة التنظيمية بينهم وبين المعلمين السابقين. لكن ذلك يعني وفق هذا التصور تعيينهم على نفس الدرجة من المستوى الخامس، الأمر الذي يخالف نظام الخدمة المدنية في الترقيات، كما سوف يؤدي إلى نقص العلاوات السنوية القادمة أمامهم. يضاف إلى ذلك ضخامة المبالغ اللازمة لمثل هذا الأثر الرجعي على هذه الهيئة، والتي يمكن استثمارها في الصرف على الجوانب المكملة والهامة للعملية التعليمية.
لكن الأثر الرجعي قد يكون حق مشروع للمعلمين أصحاب القضية في مجال مقارنتهم بمن سبقهم بالتعيين وبمن سيتم تعيينهم فيما بعد عام 1430هـ من المعلمين الجدد(عودة إلى افتراضات الحالة الافتراضية السابقة)؛ وهنا يكون جديرًا بالترقية المقترحة في هذه الورقة أن تكون مسنودة بأثر رجعي للفرق في العلاوات السنوية السابقة لسنة الترقية الافتراضية (1430هـ). فعلى سبيل المثال ووفقًا للحالة الافتراضية السابقة يمكن حساب الأثر الرجعي في العلاوات السنوية السابقة كالتالي:
(علاوة المستوى الخامس- علاوة المستوى الثالث) * عدد شهور السنة + سنوات البقاء في مستوى وظيفي أدنى
=(440-375ريالاً)*12شهرا *10 سنوات = 7800 ريال لكل معلم ومعلمة.
وعندما نقوم بضرب هذا الأثر الرجعي للعلاوات السنوية السابقة بالعدد الكلي للمعلمين والمعلمات أصحاب القضية، والذين يقدر عددهم حاليًا بحوالي مائة وثمانين ألف معلم ومعلمة، نجد أن المبلغ المطلوب للأثر الرجعي المحقق للعدالة التنظيمية بين المعلمين أصحاب القضية ومن سيتم تعيينه مستقبلاً على المستوى الخامس هو التالي:
عدد المعلمين والمعلمات أصحاب القضية * الأثر الرجعي لكل معلم ومعلمة
= 180000 معلم ومعلمة *7800 ريال = 1.404.000.000 ريالاً.
وهو مبلغ معقول أن يصرف كأثر رجعي يقلص الفوارق بين جميع المعلمين أصحاب القضية وبين من سبقهم في التعيين ومن سيتلوهم.
محمد فالح الجهني ـ المدينة المنورة
العدد 163