د. ابتسام احمد باصديق
25-Oct-2008, 01:47 PM
كنت أود إرسال هذا الموضوع بعد الفراغ من بحث العولمة الثقافية، لكن لأن هناك موضوعات غيرها فكرت في التعجيل بوضعها حتى الفراغ من كتابة الجديد في مجال التربية والإدارة والاقتصاد بإذن الله تعالى ومنه وحده أستمد السداد والعون والتوفيق إنه سميع مجيب.
المرتكزات الفكرية والجذور التاريخية للفلسفة الأفلاطونية التي لازالت دينا معترفا به عند شرائح من بلدان الغرب .
يذهب البعض إلى أن الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس وغيرهم هي الأساس الذي بُني عليه تفكير فلاسفة المفكرين المسلمين الأوائل . إلا أن في هذه الدعوى تجاوزا كبيرا للحقيقة ؛ لأن الفلسفة اليونانية نفسها ليست إلا امتدادا وخلاصة للأوهام الميتافيزيقية التي كانت منبتا لأديان القارة الآسيوية ؛حيث أن أصول اليونانيين تعود إليها، والاعتقاد السائد بأن اليونانيون أصيلون في جزيرتهم اعتقاد خاطيء ؛ لأنهم جاءوا من آسيا فهم آريون أو هنديون أوروبيون
إن الإنسان عندما نسي المنهج الرباني الذي أنزل مع آدم عليه السلام ، وفقد الصلة بالله بالرغم من أن الله تعالى لم يترك أمة إلا وأرسل لها رسول ليخرجهم من الضلالات والظلمات إلى النور ، لكن عندما ترك الإنسان الاتباع ، وارتكس في حمأة الجاهلية والبدائية ، ملأت الهواجس والأوهام قلبه وعقله واستبد به الخوف من الظواهر الطبيعية برقا ورعدا وخسفا وزلازل وعواصف ، وأخذ به الرعب والرهبة من الموت والمصير والمجهول كل مأخذ ، فأقبل على نفسه ينسج لها استجلابا للطمأنينة ، خيالات وتصورات وأساطير وخرافات ، عما لا يفهمه وما يرجوه أو ما يرهبه ويخافه . فتراكم بذلك لدى البشرية على مر السنين ، تراث ضخم من المعتقدات الضالة المضطربة ، التي اتخذت فيما بعد مادة للتفكير والاستقراء ، والبحث عن الذات أصلا ومآلا، وعن الكون والطبيعة ماضيا واستقبالا . ثم تحول هذا التراث إلى قاعدة للفكر الديني الوضعي المفضي إلى عبادة الأوثان والطواطم والنجوم والكواكب ، واتخاذها آلهة وأربابا .
ثم بعد ذلك اتُخذت هذه المعتقدات الدينية منطلقا ومادة للتفكير الفلسفي الآسيوي الذي نُقل إلى اليونان وتطور فيه . وظل مجردا من أهم أداتين للفهم هما : المعرفة المادية الصحيحة لحقائق الطبيعة بسبب التخلف العلمي آنئذ ، والمعرفة الغيبية اليقينية التي لا مصدر لها إلا الوحي .
ولعل الأسطورة التي رواها أفلاطون عن منشأ الفكر الفلسفي في محاورة "بروتاجوراس" ، تقدم لنا خير مثال على ما ذهبت إليه من أن الفكر اليوناني خاصة والغنوصي عامة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام .
لقد زعم أفلاطون أن الآلهة عندما شكلوا المخلوقات الفانية ، أخذوا يوزعون عليها صفاتها الخاصة بها والمحتاجة إليها ، فكان من المخلوقات ما سلحوها بوسائل الدفاع ، ومنها ما تركوها عزلاء وزودوها بأساليب للمحافظة على البقاء . ولكنهم اكتشفوا في نهاية الأمر أنهم وزعوا جميع الصفات والقدرات على الحيوانات، ونسوا الإنسان الذي تُرك عاري الجسم لا يملك مأوى ولا أسلحة للدفاع . فعمد "برومثيوس" إلى سرقة الفنون الآلية والنار مع طريقة استخدامهما ـ وهما خاصتان بالآلهة ـ ، من معبد أثينا ، وسلمهما للإنسان . وكان ذلك سبب حصوله على قسط من الصفات الإلهية التي علمته الحكمة .
على هذه الأسس نشأ الفكر الفلسفي وتطور ، مادة بحثه خيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام سدنة الأوثان وعبادها ؛ مفتقدا أهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم عاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة .
وبالجملة يمكن القول : إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشر الوضعية في ما قبل اليونان وهي:
ـ في بلاد ما بين النهرين ، آشور وبابل ومعتقداتهما الخاصة بعبادة الشمس والنور، وأبناء الطبقة الحاكمة الذين هم " أبناء الشمس " .
ـ وفي الصين حيث الكونفوشيوسية ، وعقيدة إحياء وميض الأنوار في الإنسان عن طريق المعرفة ، والإنسان الكامل الذي هو الملك أو النبي أو القائد ، الذي يجمع في ذاته سائر القوى المادية والروحانية ، وعلى قدر كماله تكون سعادة عصره ، وهو بمثابة الإمام عند الباطنية أو القطب عند الصوفية .
ـ وفي الهند لدى البراهمة ، وعقيدة اتصال النفس بالمبدأ الروحاني " براهمان " ، الذي يحل في جميع مظاهر الوجود . وعقيدة شرائع " مينو " التي تقسم الناس إلى أربع طبقات :
طبقة البراهمة ، رجال الدين والنخبة السياسية ، الذين خلقوا حسب زعمهم من رأس الإله، وهم أعلى الناس وخلاصة الجنس البشري .
وطبقة الجند ، حماة البلاد الذين خلقوا من منكبي "براهما " ويديه ، ويحق لهم بعد البراهمة قراءة الكتب المقدسة .
وطبقة التجار والزراع المكلفة بالإنتاج والنشاط الاقتصادي والفلاحي ، وخلقوا من ركبتي " براهما " .
وطبقة الخدم والأسرى المخلوقين من قدمي " براهما " ، وليس لهم إلا خدمة الطبقات التي فوقهم .
ـ وفي بلاد فارس حيث ظهرت الهرمسية والزرادشتية والصابئة والكلدانيون عبدة النجوم، ممن يؤمن بفناء الجسد وخلود النفس في النعيم أو الشقاء ، وبالقائد البشري الكامل الذي يعرف حقيقة الوجود .
ـ وفي الفكر المصري الفرعوني ومدرسة الإسكندرية التي التقت فيها تيارات أوروبا وآسيا وإفريقيا ، ونشأت بها طقوس نظمت مفهوم الألوهية وعلاقتها بالبشر، ووضعت قواعد الثواب والعقاب ، وأنشأت عقيدة ثنائية التركيب البشري وخلود النفس ، وأبوة الشمس والنجوم لبعض النخب السياسية .
هذه المعتقدات الهلامية والتصورات الضالة هي التي ورثها اليونان وظهرت فيما كان لديهم من علوم وفنون وآداب وفلسفة .
ظهرت لدى الفيتاغوريين عقيدة تؤمن بثنائية التركيب البشري ، وضرورة تطهير النفس بالعلوم الطبيعية والعملية كالموسيقى والرياضيات وما وراء الطبيعة ، كي تتمكن من الصعود إلى عالم الأفلاك، حيث سعادتها الأبدية واتحادها بواجب الوجود .
ولدى الأفلوطينيين في عقيدة الآلهة المتعددة من النجوم والكواكب التي ترى وتسمع وتدبر الكون، وعقيدة المعرفة الحدسية التي يختص بها قادة الشعوب أنبياء وملوكا وفلاسفة ، والمعرفة العقلية الجدلية التي هي الطريق العادي لاكتساب العلوم وفق مفهومهم .
على هدي هذه المعتقدات الدينية المتفلسفة والتصورات المضطربة الوثنية ، سار الفكر الباطني وعلى أركانها تأسس :
من مفاهيم الدولة والعدل والحياة السعيدة لدى البابليين والفراعنة والصينيين والهنود، إلى ما طوره من نفس المفاهيم كل من اليونان والرومان ، إلى ما نقل إلى اللغة العربية في القرنين الهجريين ، الثالث والرابع ؛ وعمل فلاسفة إخوان الصفا على إعادة صياغته في ثوب إسلامي لم يستطع أن يخفي أصله الوثني .
ومن أفكار كونفوشيوس في" التعليم الأكبر" حول فساد الحكم ، ومهام الحكومة وواجبها في توفير حاجات الناس أمنا وطعاما ، وشروط الكفاءة في الحاكم وممارساته السياسية والتدبيرية ؛ إلى تصورات الحكماء السبعة في أثينا لنظام الدولة وتشريعاتها الخاصة بقواعد الإدارة وأساليب تحقيق السعادة ؛ إلى نظريات فيتاغورس في العدالة والمساواة ، وما يرى الأبيقوريون من وجوب الخضوع للدولة ولو كانت استبدادية ما دامت تحقق الأمن والنظام ، وما ذهب إليه أفلاطون في مدينته الفاضلة التي اتخذت مظهرا خياليا قوامه اعتبار السلطة عملا معجزا لا يستطيع القيام به إلا أفراد ملهمون ، لهم على بني جنسهم تميز خاص يصلهم بالعقل الفعال ويجعلهم قادرين على تحقيق السعادة لشعوبهم .
إلى ما تطور إليه الفكر السياسي الأرسطي باستحداثه فكرة الدولة الدستورية ، التي تبنى علاقات شعبها بالحاكم على أساس الحرية والمساواة والمواطنة المشتركة بين أحرار ؛ مما جعل الدولة مجرد اتحاد أفراد في مجتمع واحد تحت حاكمية القانون الذي حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي ؛ إلى ما عربه إخوان الصفا في رسائلهم ، وجعلوه أساسا لفكرهم السياسي والفلسفي .
إلا أن مما يثير الاستغراب أن إخوان الصفا والفكر الباطني والفلاسفة المنتسبين للإسلام بشكل عام لم يقتبسوا من هذا التراث اليوناني الذي عكفوا على تعريبه، إلا ما تعلق منه بالاتجاه الاستبدادي ؛ وهو الفكر الأفلاطوني الخاص بالقائد الملهم ، المتصل بالعقل الفعال المحتكر للمعرفة ، القادر وحده على إسعاد الشعب . أما النظرية الأرسطية الخاصة بفكرة الدستور ، الذي يضمن العدالة والمساواة والمواطنة الحرة المشتركة ، ويلغي حاكمية الفرد لصالح حاكمية القانون ، وما ورد في الفكر الروماني عن نظرية العقد الحكومي وسيادة القانون وحقوق الدولة والفرد وواجباتهما ، فإن النقل الباطني قد أهمله وأغفله ، ولا يوجد له أثر في فكرهم وتراثهم . ولعل ذلك راجع إلى أسباب سياسية متعلقة بكون حركة التعريب والترجمة التي قام بها إخوان الصفا أو الفكر الباطني بشكل عام ، تمت على يد المؤسسة الرسمية الحاكمة وبإشرافها . وكانت هذه المؤسسة ذات نمط في الحكم فردي استبدادي ، لم يعتمد حكم الشورى الإسلامي أو استفاد من شريعةالإسلام التي انتسبوا إليها ؛ فهو من باب أولى لا يوافق على نقل التراث الأرسطي والروماني أو نشره والتبشير به ، .
هذه خلاصة المرجعية الفكرية الفلسفية التي نُقلت إلى اللغة العربية ، سواء تم نقلها من إخوان الصفا أو من سبقهم من أصحاب الفكر الباطني ؛ أو نقلها غيرهم من الفلاسفة المنتسبين للإسلام .
ماوددت الوصول له من خلال ماكتبته بأن لايستغرب المرء بعد ذلك للتحالفات الموجودة حاليا سواء بين الباطنية والمسيحية أو بين المسيحية واليهودية أو تمجيد الغرب للفلاسفة المنتسبين للإسلام لأن الكفر ملته واحدة كما يررد دائما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي عنه.
خالص شكري وتقديري للجميع وأرجوا الفائدة لمن قرأه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ملاحظة : مع أني كتبت التوثيقات إلا أن نظام الكتابة في الملتقى يحذف الهوامش ، وسوف أعيد كتابتها قريبا بإذن الله تعالى
المرتكزات الفكرية والجذور التاريخية للفلسفة الأفلاطونية التي لازالت دينا معترفا به عند شرائح من بلدان الغرب .
يذهب البعض إلى أن الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس وغيرهم هي الأساس الذي بُني عليه تفكير فلاسفة المفكرين المسلمين الأوائل . إلا أن في هذه الدعوى تجاوزا كبيرا للحقيقة ؛ لأن الفلسفة اليونانية نفسها ليست إلا امتدادا وخلاصة للأوهام الميتافيزيقية التي كانت منبتا لأديان القارة الآسيوية ؛حيث أن أصول اليونانيين تعود إليها، والاعتقاد السائد بأن اليونانيون أصيلون في جزيرتهم اعتقاد خاطيء ؛ لأنهم جاءوا من آسيا فهم آريون أو هنديون أوروبيون
إن الإنسان عندما نسي المنهج الرباني الذي أنزل مع آدم عليه السلام ، وفقد الصلة بالله بالرغم من أن الله تعالى لم يترك أمة إلا وأرسل لها رسول ليخرجهم من الضلالات والظلمات إلى النور ، لكن عندما ترك الإنسان الاتباع ، وارتكس في حمأة الجاهلية والبدائية ، ملأت الهواجس والأوهام قلبه وعقله واستبد به الخوف من الظواهر الطبيعية برقا ورعدا وخسفا وزلازل وعواصف ، وأخذ به الرعب والرهبة من الموت والمصير والمجهول كل مأخذ ، فأقبل على نفسه ينسج لها استجلابا للطمأنينة ، خيالات وتصورات وأساطير وخرافات ، عما لا يفهمه وما يرجوه أو ما يرهبه ويخافه . فتراكم بذلك لدى البشرية على مر السنين ، تراث ضخم من المعتقدات الضالة المضطربة ، التي اتخذت فيما بعد مادة للتفكير والاستقراء ، والبحث عن الذات أصلا ومآلا، وعن الكون والطبيعة ماضيا واستقبالا . ثم تحول هذا التراث إلى قاعدة للفكر الديني الوضعي المفضي إلى عبادة الأوثان والطواطم والنجوم والكواكب ، واتخاذها آلهة وأربابا .
ثم بعد ذلك اتُخذت هذه المعتقدات الدينية منطلقا ومادة للتفكير الفلسفي الآسيوي الذي نُقل إلى اليونان وتطور فيه . وظل مجردا من أهم أداتين للفهم هما : المعرفة المادية الصحيحة لحقائق الطبيعة بسبب التخلف العلمي آنئذ ، والمعرفة الغيبية اليقينية التي لا مصدر لها إلا الوحي .
ولعل الأسطورة التي رواها أفلاطون عن منشأ الفكر الفلسفي في محاورة "بروتاجوراس" ، تقدم لنا خير مثال على ما ذهبت إليه من أن الفكر اليوناني خاصة والغنوصي عامة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام .
لقد زعم أفلاطون أن الآلهة عندما شكلوا المخلوقات الفانية ، أخذوا يوزعون عليها صفاتها الخاصة بها والمحتاجة إليها ، فكان من المخلوقات ما سلحوها بوسائل الدفاع ، ومنها ما تركوها عزلاء وزودوها بأساليب للمحافظة على البقاء . ولكنهم اكتشفوا في نهاية الأمر أنهم وزعوا جميع الصفات والقدرات على الحيوانات، ونسوا الإنسان الذي تُرك عاري الجسم لا يملك مأوى ولا أسلحة للدفاع . فعمد "برومثيوس" إلى سرقة الفنون الآلية والنار مع طريقة استخدامهما ـ وهما خاصتان بالآلهة ـ ، من معبد أثينا ، وسلمهما للإنسان . وكان ذلك سبب حصوله على قسط من الصفات الإلهية التي علمته الحكمة .
على هذه الأسس نشأ الفكر الفلسفي وتطور ، مادة بحثه خيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام سدنة الأوثان وعبادها ؛ مفتقدا أهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم عاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة .
وبالجملة يمكن القول : إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشر الوضعية في ما قبل اليونان وهي:
ـ في بلاد ما بين النهرين ، آشور وبابل ومعتقداتهما الخاصة بعبادة الشمس والنور، وأبناء الطبقة الحاكمة الذين هم " أبناء الشمس " .
ـ وفي الصين حيث الكونفوشيوسية ، وعقيدة إحياء وميض الأنوار في الإنسان عن طريق المعرفة ، والإنسان الكامل الذي هو الملك أو النبي أو القائد ، الذي يجمع في ذاته سائر القوى المادية والروحانية ، وعلى قدر كماله تكون سعادة عصره ، وهو بمثابة الإمام عند الباطنية أو القطب عند الصوفية .
ـ وفي الهند لدى البراهمة ، وعقيدة اتصال النفس بالمبدأ الروحاني " براهمان " ، الذي يحل في جميع مظاهر الوجود . وعقيدة شرائع " مينو " التي تقسم الناس إلى أربع طبقات :
طبقة البراهمة ، رجال الدين والنخبة السياسية ، الذين خلقوا حسب زعمهم من رأس الإله، وهم أعلى الناس وخلاصة الجنس البشري .
وطبقة الجند ، حماة البلاد الذين خلقوا من منكبي "براهما " ويديه ، ويحق لهم بعد البراهمة قراءة الكتب المقدسة .
وطبقة التجار والزراع المكلفة بالإنتاج والنشاط الاقتصادي والفلاحي ، وخلقوا من ركبتي " براهما " .
وطبقة الخدم والأسرى المخلوقين من قدمي " براهما " ، وليس لهم إلا خدمة الطبقات التي فوقهم .
ـ وفي بلاد فارس حيث ظهرت الهرمسية والزرادشتية والصابئة والكلدانيون عبدة النجوم، ممن يؤمن بفناء الجسد وخلود النفس في النعيم أو الشقاء ، وبالقائد البشري الكامل الذي يعرف حقيقة الوجود .
ـ وفي الفكر المصري الفرعوني ومدرسة الإسكندرية التي التقت فيها تيارات أوروبا وآسيا وإفريقيا ، ونشأت بها طقوس نظمت مفهوم الألوهية وعلاقتها بالبشر، ووضعت قواعد الثواب والعقاب ، وأنشأت عقيدة ثنائية التركيب البشري وخلود النفس ، وأبوة الشمس والنجوم لبعض النخب السياسية .
هذه المعتقدات الهلامية والتصورات الضالة هي التي ورثها اليونان وظهرت فيما كان لديهم من علوم وفنون وآداب وفلسفة .
ظهرت لدى الفيتاغوريين عقيدة تؤمن بثنائية التركيب البشري ، وضرورة تطهير النفس بالعلوم الطبيعية والعملية كالموسيقى والرياضيات وما وراء الطبيعة ، كي تتمكن من الصعود إلى عالم الأفلاك، حيث سعادتها الأبدية واتحادها بواجب الوجود .
ولدى الأفلوطينيين في عقيدة الآلهة المتعددة من النجوم والكواكب التي ترى وتسمع وتدبر الكون، وعقيدة المعرفة الحدسية التي يختص بها قادة الشعوب أنبياء وملوكا وفلاسفة ، والمعرفة العقلية الجدلية التي هي الطريق العادي لاكتساب العلوم وفق مفهومهم .
على هدي هذه المعتقدات الدينية المتفلسفة والتصورات المضطربة الوثنية ، سار الفكر الباطني وعلى أركانها تأسس :
من مفاهيم الدولة والعدل والحياة السعيدة لدى البابليين والفراعنة والصينيين والهنود، إلى ما طوره من نفس المفاهيم كل من اليونان والرومان ، إلى ما نقل إلى اللغة العربية في القرنين الهجريين ، الثالث والرابع ؛ وعمل فلاسفة إخوان الصفا على إعادة صياغته في ثوب إسلامي لم يستطع أن يخفي أصله الوثني .
ومن أفكار كونفوشيوس في" التعليم الأكبر" حول فساد الحكم ، ومهام الحكومة وواجبها في توفير حاجات الناس أمنا وطعاما ، وشروط الكفاءة في الحاكم وممارساته السياسية والتدبيرية ؛ إلى تصورات الحكماء السبعة في أثينا لنظام الدولة وتشريعاتها الخاصة بقواعد الإدارة وأساليب تحقيق السعادة ؛ إلى نظريات فيتاغورس في العدالة والمساواة ، وما يرى الأبيقوريون من وجوب الخضوع للدولة ولو كانت استبدادية ما دامت تحقق الأمن والنظام ، وما ذهب إليه أفلاطون في مدينته الفاضلة التي اتخذت مظهرا خياليا قوامه اعتبار السلطة عملا معجزا لا يستطيع القيام به إلا أفراد ملهمون ، لهم على بني جنسهم تميز خاص يصلهم بالعقل الفعال ويجعلهم قادرين على تحقيق السعادة لشعوبهم .
إلى ما تطور إليه الفكر السياسي الأرسطي باستحداثه فكرة الدولة الدستورية ، التي تبنى علاقات شعبها بالحاكم على أساس الحرية والمساواة والمواطنة المشتركة بين أحرار ؛ مما جعل الدولة مجرد اتحاد أفراد في مجتمع واحد تحت حاكمية القانون الذي حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي ؛ إلى ما عربه إخوان الصفا في رسائلهم ، وجعلوه أساسا لفكرهم السياسي والفلسفي .
إلا أن مما يثير الاستغراب أن إخوان الصفا والفكر الباطني والفلاسفة المنتسبين للإسلام بشكل عام لم يقتبسوا من هذا التراث اليوناني الذي عكفوا على تعريبه، إلا ما تعلق منه بالاتجاه الاستبدادي ؛ وهو الفكر الأفلاطوني الخاص بالقائد الملهم ، المتصل بالعقل الفعال المحتكر للمعرفة ، القادر وحده على إسعاد الشعب . أما النظرية الأرسطية الخاصة بفكرة الدستور ، الذي يضمن العدالة والمساواة والمواطنة الحرة المشتركة ، ويلغي حاكمية الفرد لصالح حاكمية القانون ، وما ورد في الفكر الروماني عن نظرية العقد الحكومي وسيادة القانون وحقوق الدولة والفرد وواجباتهما ، فإن النقل الباطني قد أهمله وأغفله ، ولا يوجد له أثر في فكرهم وتراثهم . ولعل ذلك راجع إلى أسباب سياسية متعلقة بكون حركة التعريب والترجمة التي قام بها إخوان الصفا أو الفكر الباطني بشكل عام ، تمت على يد المؤسسة الرسمية الحاكمة وبإشرافها . وكانت هذه المؤسسة ذات نمط في الحكم فردي استبدادي ، لم يعتمد حكم الشورى الإسلامي أو استفاد من شريعةالإسلام التي انتسبوا إليها ؛ فهو من باب أولى لا يوافق على نقل التراث الأرسطي والروماني أو نشره والتبشير به ، .
هذه خلاصة المرجعية الفكرية الفلسفية التي نُقلت إلى اللغة العربية ، سواء تم نقلها من إخوان الصفا أو من سبقهم من أصحاب الفكر الباطني ؛ أو نقلها غيرهم من الفلاسفة المنتسبين للإسلام .
ماوددت الوصول له من خلال ماكتبته بأن لايستغرب المرء بعد ذلك للتحالفات الموجودة حاليا سواء بين الباطنية والمسيحية أو بين المسيحية واليهودية أو تمجيد الغرب للفلاسفة المنتسبين للإسلام لأن الكفر ملته واحدة كما يررد دائما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي عنه.
خالص شكري وتقديري للجميع وأرجوا الفائدة لمن قرأه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ملاحظة : مع أني كتبت التوثيقات إلا أن نظام الكتابة في الملتقى يحذف الهوامش ، وسوف أعيد كتابتها قريبا بإذن الله تعالى