المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (تعجيم التعليم) !!


ابومحمد
17-Apr-2007, 07:38 AM
د. أحمد الضبيب(*)
ومعنى (تعجيم التعليم) جعله أعجمياً أجنبياً، تُدَرَّس مناهجه للطالب العربي بلغة أجنبية، وهو يقابل (تعريب التعليم) الذي يهدف إلى استعادة اللغة العربية الأم في المناهج التعليمية. كما يحدث في بعض البلاد العربية التي ابتليت بالاستعمار الأجنبي، وفرض عليها -ظلماً وعدواناً- لغته وثقافته. ولقد كانت خطة المستعمر دائماً مسخ اللغة الوطنية، وإحلال لغته بدلها. وحيث إن اللغة هي العصب الرئيس لثقافة الأمة، فإن تغييرها في التعليم يشل جسم هذه الثقافة، ويجعله غير قادر على الحركة، ويفقده جميع حوافز التقدم الكامنة فيه.لقد كان الاستعمار يعمد أول ما يعمد إلى اللغة القومية لكل شعب فينتزعها من أفواه الصغار، لأن من الثابت أن اللغة إذا اختفت من ألسنة الصغار وأقلامهم فقد قضي عليها بالانحسار، وباختفاء اللغة القومية تختفي العلاقة الوثيقة بين أجيال الأمة وإرثها الثقافي. فيجرد الإنسان من جميع ثروته الثقافية، ليربط باللغة الأجنبية، والثقافة الأجنبية، منذ السنوات المبكرة، بحيث لا يستطيع فكاكاً من هذه الثقافة في مستقبل حياته.بانتزاع اللغة القومية من أفواه الصغار وعقولهم تتعطل عبقرياتهم، وتشل ملكاتهم،ويكونون مهيئين للتبعية والاستخذاء، وبخاصة عندما يجرد المستعمر البلاد من وسائل النهضة الحقيقية كالتقنية، والبنية التحتية للإنتاج، فيصبح المواطن مستهلكا - فقط - لما ينتجها الآخرون. وإذا أبدع شيئاً - في المستقبل - بلغة الأجنبي كان ذلك محسوباً لحضارته ومدنيته، ومضافاً إلى ترس صناعته، التي يبيعها على هؤلاء التابعين بأغلى الأسعار.إن جعل التعليم بلغة أجنبية يمثل كارثة على الثقافة المحلية، بل يمثل مسخاً أبدياً للهوية المحلية. ولقد شاهدنا دولاً إفريقية تعاني من هذه المشكلة أشد المعاناة. فمع أن حركات التحرر الإفريقية قامت أساساً للخلاص من الاستعمار وما يمثله ويتعلق به، إلا أنها لم تستطع الخلاص من آثاره الثقافية، التي رسختها اللغة الأجنبية المسيطرة على جميع مفاصل المجتمع في التعليم والإدارة والتجارة، وغيرها، وأخطر من ذلك سيطرتها على عقول أصحاب القرار. حتى أن أبطال الاستقلال في إفريقيا كجومو كنياتا، وكوامي نكروما، وغيرهما من الذين ناضلوا طلباً للاستقلال لم يستطيعوا الخلاص من لغة المستعمر، بل انبروا للترحيب بها، والدفاع عنها، لكونها أحكمت قبضتها على وجداناتهم، وأصبحت حقيقة واقعة لا سبيل إلى القضاء عليها. وكذلك فعل بعض زعماء الاستقلال في بلاد المغرب العربي الذين رأوا في اللغة الفرنسية غنيمة حرب، فدافعوا عن وجودها، وأصروا على الإبقاء عليها في مناهج التعليم، وفي كثير من مجالات الحياة. وتطور الأمر فحل (الفترنس) محل (الفرنسة)، و(التنجلز) محل (النجلزة). وهكذا فإن ما كان في السابق من سمات الغازي البغيض أصبح الآن من صفات الوطني المستقل!!.لقد أدى الاستخفاف باللغة العربية، وتمكين الجنبية، في بعض البلدان إلى فتن عرقية وطائفية، لم تكن موجودة عندما كانت العربية هي الرابط لهذه الشعوب. فقد أخذت كل فرقة تنظر إلى اللغة العربية على أنها لغة العرب وحدهم، وأخذت فرق أخرى تنظر إليها على أنها لغة المسلمين وحسب. بينما كان الجميع في السابق ينتمون إلى هذه اللغة على أنها لغة الثقافة العربية الإسلامية، ينهل منها العرب والكرد والبربر والفرس والهنود، ويعتز بها المسلمون والمسيحيون وغيرهم من الملل والطوائف دون تفريق. فانظر كيف أوغر المستعمر قلوب القوم بعضهم على بعض، وفرقهم شراذم من خلال التمكين للغته وتهميش العربية، والادعاء بأنها لغة غير قادرة على حمل تقنية العصر، وحصرها في الزوايا الضيقة من المجتمع.ولو أن هذه الشعوب التي استبدلت - في التعليم - بلغتها الوطنية لغة أدبية حصدت خيرا من وراء ذلك لكان فيه دليل على صحة اتجاهها. لكن الواقع أن هذه الشعوب التي مسخت لغوياً هي من أكثر شعوب العالم تخلفاً. وأشدها فقراً، وأكثرها قبولاً للمساعدات المشروطة أحياناً بالشرط اللغوي وهو استمرار التعليم باللغة الأجنبية، أو فتح آفاق جديدة لهذه اللغة الأجنبية كي تعمل بنشاط في هذه المجتمعات.اللغة القومية سلاح إن استطعت استعماله بذكاء حصلت على النصر والتقدم، وإن عطلته، أو أقصيته حاقت بك المشكلات، وخلفتك الأمم خلف ظهورها. وقد فطنت جميع الأمم المتقدمة لذلك فعملت على ترسيخ الاعتماد على لغاتها الوطنية، لأنها وسيلة تثقيف الشعوب، وتوطين العلوم والتقنيات، واكتشاف العبقريات. وهذا ما صنعته اليابان وكوريا وفيتنام وإندونيسيا وغيرها من الشعوب الناهضة شرقاً وغرباً، وصنعته في مقدمة الجميع دولة الصهاينة، التي أحيت لغة ميتة وجعلتها لغة العلم والتقنية والصناعة، والشابكة (الإنترنت). وجعلتها لغة التعليم لا يشاركها فيها لغة أخرى، سواء في التعليم العام أو في الجامعات. ويكفي أن تعلم أن القائمة الشهيرة لأفضل خمسمائة جامعة في العالم تضم سبع جامعات إسرائيلية.. وأن الجامعة العبرية في القدس تحتل الرقم 78 من هذه القائمة، أي أنها واحدة من أفضل مائة جامعة على مستوى العالم. فإذا علمت أن طلاب هذه الجامعات اليهودية كلهم قد درسوا مناهجهم في التعليم العام والتعليم العالي باللغة العبرية، أدركت معنى ما نقول من أهمية التركيز على اللغة الأم، وأدركت أيضاً لماذا لم تستطع جامعة واحدة من الجامعات العربية التي تدعي التعليم باللغة الإنجليزية في مواد الطب والعلوم منذ عشرات السنين، لم تستطع أي منها أن تدخل هذه القائمة، أو أن تكون في ذيلها. وبهذا تعلم أن للتميز شروطاً لعل من أهمها التلقي الناضج باللغة الأم. فهل نأخذ الدروس من القوم الجادين الذين يعرفون مصلحتهم الحقيقية؟ ويحققون نجاحات في مختلف نواحي الحياة، أم نطير مع الطائرين خلف سراب اللغة الأجنبية، الذي ثبت لنا بالدليل القاطع أنه لا جدوى منه.كل الدول اليقظة أدركت هذه الحقيقة إلا دول العالم العربي، فقد ضرب الله على أسماع هذه الدول، وجعل على أبصارها غشاوة، فهي لا ترى مصالحها الضرورية، ولا تدرك احتياجاتها الحقيقية، وإنما تسير على عكس ما تسير عليه الأمم الناهضة، تلك التي شقت طريقها إلى المجد العلمي والتقني والاقتصادي ثم السياسي من خلال التمسك بلغاتها الوطنية، والذب عنها، وتمكينها من القيام بدورها في نقل العلوم والمعارف، وتوطينها والبحث فيها.نقول هذا وقد نشرت الصحف خبر القرار الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم بالسماح للمدارس الأهلية بأن تقدم مناهج تعليمية دولية بلغات أجنبية، في كل المواد ماعدا علوم اللغة العربية والدين. وكما نشر في الصحف فإن كثيراً من المدارس الأهلية ستقدم ابتداء من العام المقبل مناهج دولية تختلف عن مناهجنا السعودية وبلغة أجنبية.ونحن لا نشك في إخلاص القائمين على شؤون التوزارة الموقرة، لكن القرار المذكور عندما صدر لم يكن مشفوعاً بأي أهداف واضحة مبنية على دراسات علمية، أو أي مسوغات، الأمر الذي يجعله غريباً. وقد تفضل سعادة مدير تعليم البنين في منطقة جدة فقال حسب ما نشرته جريدة الشرق الأوسط (الخميس 5-4- 2006ص13) (إن فكرة السماح للمدراس الأهلية باختيار المنهج ولغة التدريس جاءت من منطلق التوسع، وتلبية رغبات اتجاهات الطلبة وأولياء الأمور) ومع أننا لم ندرك معنى (التوسع) الذي أشار إليه، فالكلمة فضفاضة، إلا أننا نظن أن تقديم المواد باللغة الوطنية لا ينافي التوسع في جميع أشكاله، وإلا فمعنى هذا أن دولاً متقدمة كثيرة من العالم تعاني من الضيق والتضييق، لكونها لم تتوسع كما يراد لنا أن نتوسع!!، فهذه الدول تدرس جميع العلوم بلغاتها المحلية، وبمناهجها المحلية التي تراعي احتياجاتها، ومع ذلك لم تشعر بما شعرت به وزارتنا الجليلة.والواقع أن فحوى ما قاله مدير التعليم الفاضل لا يعدو الجري وراء رغبات بعض أولياء الأمور، الذين يرغبون في إلحاق أبنائهم بالجامعات التي تدرس بلغات أجنبية، أو يعدونهم لسوق العمل، الذي استشرت فيه اللغة الأجنبية، بفعل التهاون بتطبيق القرارات، التي طالما أصدرتها الدولة بضرورة مراعاة التعامل باللغة العربية لغة البلاد، إلى جانب زيادة أعداد الوافدين الأجانب الذين فرضوا على المواطنين لغاتهم الأجنبية في غفلة من المواطن والجهات المعنية.ومع أن أولياء الأمور -ونحن منهم- معذورون في البحث عن أنجح الطرق لتعليم أبنائهم، أو توظيفهم، إلا أنهم محكومون بمبدأ النفعية الآنية والفردية، وليسوا معنيين بالنظر إلى الأمور من منطلق الشمولية، والتخطيط الإستراتيجي، فهذا من شأن السلطات العاملة في المجتمع، التي تقع عليها المسؤولية في ضبط إيقاع الحياة في البلاد بشكل متواز، وفيما يفيد المصلحة العامة. ومن هذه السلطات التنفيذية وزارة التربية والتعليم، التي تقع عليها مسؤولية التخطيط التربوية للبلد فيما يتفق والأهداف العليا وما يحقق المصلحة الحالية والمستقبلية للبلد.إن الاستجابة للرغبات الفردية ليست دائماً في مصلحة الوطن، لأن الجميع في قارب واحد، وقد يحقق بعض الأفراد منفعة آنية، لكنها تجر الكوارث المستقبلية على المجموع، وعلينا جميعاً أن نعمل على صيانة هذا القارب، وتحصينه في الرياح الهوج التي تمر عليه. ولم يعد سراً أن الرياح العاتية التي تهب علينا من جهة الشمال والغرب هذه الأيام، والتي تستهدف القضاء على كياننا العربي الإسلامي، هي من القوة والشدة - ثقافياً وسياسياً- بحيث يكون من الواجب علينا أن نستجمع كل مقوماتنا الذاتية، للذب عن وجودنا وهويتنا وثقافتنا (بالمعنى الواسع للثقافة).واللغة العربية الفصيحة هي أحد مقومات وجودنا المهمة، التي يجب الحفاظ عليها، وتعزيز مواقعها في نفوس صغارنا، لأن في ارتباطهم بها ارتبطاً بوجودنا وبديننا وتراثنا، وتاريخنا، وفي تمسكهم بها وتقديم جميع العلوم بها فائدة مستقبلية مؤكدة، أثبتتها الدراسات العلمية سواء من حيث استيعاب المواد وفهمها، وتمثلها، أو من حيث القدرة على الابتكار والإبداع في المستقبل، وهذا هو بالضبط ما فعلته الأمم الناهضة والمقبلة على النهوض كما أسلفنا. وقديماً قال ستاندال: (اللغة هي مفتاح عبقرية الأمة).إن تقديم جميع المواد، غير المستثناة، بلغة أجنبية من شأنه تقليص اتصال التلميذ بلغته الفصيحة والابتعاد عنها، فهو لا يعرفها إلا في مواد اللغة العربية والدين، وما عدا ذلك فاللغة السائدة في المدرسة ستكون اللغة الأجنبية. فهل تخطط الوزارة للإكثار من مدارس اللغات الأجنبية، التي يتخاطب فيها السعوديون ويكتبون باللغات الأجنبية، إذا كان هذا هدفاً مقصوداً فمعناه أن يتحول أعداد هائلة من أبنائنا -ثقافيا- ليكونوا (خواجات)، مبتعدين عن كل ما هو عربي. لكونهم مغمورين باللغة الأجنبية. فهل يستحق إتقان اللغة الأجنبية كل هذا العناء والتفريط، كي نجني في المستقبل ثمرات مرة من الغربة الفكرية، والفرقة الثقافية، والتمايز الطبقي.ثم.. هل كتب علينا إلى الأبد أن تدار تجارتنا ومستشفياتنا وفنادقنا وجميع مواقع الوظائف العامة والخاصة عندنا بوساطة اللغة الأجنبية، حتى تقوم الوزارة بخدمة هذا الوضع الشاذ الذي لا نجده في أي دولة متقدمة، أو دولة تنشد التقدم. لماذا تشارك وزارة التربية والتعليم في تثبيت الخطأ المتفشي في أسواقنا وجامعاتنا ومستشفياتنا وغيرها من مظاهر حياتنا العامة، (المتمثل باستعمال اللغة الأجنبية، وهجر العربية) وذلك عن طريق إعداد خريجين يخدمون هذا الوضع الشاذ.إن من واجب الوزارة أن تكون رسالتها مناهضة لفشو اللغة الأجنبية في المجتمع دون ضوابط،. مؤيدة لترسيخ اللغة العربية - التي هي لغة الدولة كما هي لغة الدين والثقافة والتراث - في كل موقع من مواقع الحياة، لا تمهيد الطريق أمام اللغة الأجنبية، وتشجيعها على التمدد السرطاني في المجتمع.
(*) عضو مجلس الشورى

خالد
17-Apr-2007, 08:22 AM
مشاركه مباركه

تقبل منا الاحترام

وجزاك ربي خيرا

احساسـ
17-Apr-2007, 07:19 PM
ابو محمد شكراً على الطرح
لسنا ضد اتقان اللغات أخذين بقول الرسول الكريم (من عرف لغة قوم امن غدرهم)
ولكن ما طرح في الموضوع يعطي مؤشرات خطيره سيتاثر بها تعليمنا ومن ثم هويتنا الاسلامية والعربية.
اين دور مجلس الشورى؟!

الفيصل
07-May-2007, 11:34 PM
ومن هذه السلطات التنفيذية وزارة التربية والتعليم، التي تقع عليها مسؤولية التخطيط التربوية للبلد فيما يتفق والأهداف العليا وما يحقق المصلحة الحالية والمستقبلية للبلد.إن الاستجابة للرغبات الفردية ليست دائماً في مصلحة الوطن،
كلام يستحق النقاش ، بشرط ان يتكرم الدكتور ويدلل لمايقول ...

محيرني النقل
08-May-2007, 11:01 PM
شكراً لك اخي الكريم على هذا المشاركة
كلام خطير ويستحق الوقوف امامه كثيراً
وكلي ثقة بمدير عام المناهج
ومن خلفه الوزارة وخلفهم المقام السامي للتصدي لمثل هذا
رغم اني لا احب ان اتشأم بقدر ما اتفاءل ولاكن هالمرة غير
بارك الله فيك اخي ابومحمد

متأملة
09-May-2007, 10:34 PM
أنا البحر في أحشائه الدر كامن ....فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
رغم ماحدث وما سيحدث ستظل اللغة العربية شامخة فهي لغة القرآن الكريم
ربما يكون الهدف من التوسع في مدارس التعليم الأهلي بلغات مختلفة إفساح المجال للدراسة لأبناء المقيمين .
وعلى أسوأ الإحتمالات فلن تعمم في جميع المدارس الأهلية وعلى الولي اختيار المدرسة المناسبة لأبنائه .
جزيل الشكر والتقدير للأخ الغيور على لغته .