أ/ محمد عطية أبو فودة
27-Feb-2008, 05:01 PM
العلاقة بين الاعلام والتربية
أ/ محمد عطية أبو فودة*
لقد تعاظم دور وسائل الإعلام، وقدرتها على التأثير في كافة مناحي الحياة في المجتمع عقب انتشارها على نطاق واسع منذ الربع الأخير من القرن العشرين، لذلك أخذت الحكومات -على اختلاف مذاهبها الفكرية- تخصص لها أقساماً تشرف عليها وتوجهها نحو تحقيق أهدافها الداخلية من حيث رفع مستوى ثقافة الشعب، وحسن أداء أفراده لوظائفهم، وإكسابهم القيم المرغوبة، وكذلك أهدافها الخارجية من حيث تعريف العالم بحضارة شعوبها، ووجهة نظرها في القضايا العالمية وغيرها، كما اتخذت المؤسسات الإجتماعية من وسائل الإعلام موقفاً مشابهاً لموقف الحكومات، فاهتمت بها، وبالتخطيط لاستخدامها، ورأت فيها وسيلة تساعد على تحقيق أهدافها أيضاً .
ويرى الباحث أن وسائل الإعلام تسهم بدور هام في نشر المعرفة الإنسانية وزيادة قدرات الإنسان على مواجهة مشكلاته ومعالجتها، فضلاً عن التثقيف والتوجيه والتعارف الإجتماعي والتنشئة الإجتماعية، وبالتالي فهي تعتبر أدوات هامة في تحقيق الأهداف التربوية، فالتربية بمفهومها الواسع لا تقتصر على مرحلة زمنية معينة من عمر الإنسان، وإنما تمتد من الطفولة إلى الكبر، كما أنها لا تنحصر في دائرة التعليم الرسمي فحسب، بل تمتد لتستوعب كل موقف من مواقف الحياة، وكل خبرة من خبراتها .
وفي هذا السياق يؤكد (براميلد) Brameld على أن فلسفة التربية تهدف إلى إعادة صياغة المجتمع بشكل جديد من خلال إعادة تكوين الإنسان وفقاً لأهداف وقيم المجتمع الذي يعيش فيه هذا الإنسان .
وبذلك يعتبر الإعلام نظام تربوي موازٍ، يستجيب لمطالب التربية المستمرة باستمرار الحياة، حيث أن التعليم الرسمي لا يمكنه- منفرداً- تحمل كافة الأعباء التربوية في المجتمع مهما كانت مدته، كما أنه لم يعد قادراً على مواجهة واستيعاب النمو السريع في المعرفة الإنسانية في مجالاتها المختلفة .
إن التربية والإعلام عنصران ثقافيان متلازمان ومتفاعلان يلتقيان على أرضية مشتركة، لدرجة يمكن معها القول بأن العملية الإعلامية في بعض جوانبها هي عملية تربوية، كما أن العملية التربوية في بعض جوانبها هي عملية إعلامية، فالتربية بمعناها المقصود هي تلك العملية القصدية التي يتم عن طريقها توجيه الأفراد الإنسانيين لتحقيق نموهم، وهي بمعناها الواضح الحياة بكل ما تشتمل عليه من خبرات وعلاقات، والإعلام في أساسه عملية توجيه الأفراد الإنسانيين من خلال تزويدهم بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق المؤكدة التي تساعدهم في تكوين رأي صائب في واقعة من الوقائع، أو مشكلة من المشاكل.
كما أن التربية في جوهرها هي عملية اتصال Communication Process، والإعلام كذلك، إضافة إلى أن كلاهما يتعامل مع المجتمع ويهدف لخدمته، هذه الخدمة التي يمكن تحقيقها عندما يسير الإعلام والتربية في تآزر وتعاون في إطار قيم المجتمع وأهدافه .
غير أن أهم أوجه الخلاف بين التربية والإعلام هو أن التربية تهدف إلى مساعدة الأفراد على النمو بشكل يمكنهم من اكتساب العضوية النافعة لأنفسهم وللمجتمع، في حين أن الإعلام غالباً ما يتفاعل مع الأفراد على اعتبار أنهم قد تحقق لهم النمو، وأصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية، فيقدم لهم بعض التوجيه والتثقيف، ويغمرهم ببرامج الترفيه، والتسلية، والدعاية، والإعلانات، هذا بالإضافة إلى تغاضي الإعلاميين عن تطبيق مفهوم التغذية الراجعة من خلال الرسائل الإعلامية لوسائل الإعلام المختلفة.
وفي الدول النامية غالباً ما تحتل البرامج الأجنبية مساحة واسعة من الرسالة الإعلامية لوسائل الإعلام، نتيجة لضعف إمكاناتها المالية، وتدني مستوى الخبرة الفنية في مجال الإنتاج الإعلامي، مما يعرض الثقافات الوطنية لتلك الدول لخطر الغزو الثقافي، ويهدد المنظومة القيمية لدى شعوبها.
ومن الدراسات الهامة التي أظهرت مدى اعتماد الدول النامية على البرامج التلفزيونية المستوردة من الغرب، دراسة أجريت في جامعة تامبر الفلنديةUniversity Of Tampere في عام 1974م، وقد أظهرت هذه الدراسة أن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تصدر إلى العالم ما بين (100000-200000) ساعة من البرامج التلفزيونية كل عام، كما أظهرت نتائج هذه الدراسة كذلك أن نسبة البرامج التلفزيونية التي تستوردها بلدان الشرق الأوسط تصل إلى أكثر من (50%) من البرامج المعروضة، ومن بين الدول التي شملتها الدراسة في عام 1974م، دولة الكويت التي كانت تستورد آنذاك (56%) من برامجها التلفزيونية، والعراق (52%)، ولبنان (40%)، والمملكة العربية السعودية (31 %)، وجمهورية مصر العربية (41%)، وجمهورية اليمن الشعبية (57%)، وإمارة أبو ظبي ( 72%) .
ومن المتوقع أن تكون هذه النسب قد انخفضت خلال العقود الثلاثة الماضية، نظراً لأن بعض الدول العربية قد أخذت في زيادة إنتاجها المحلي من البرامج التلفزيونية مع تزايد توافر الخبرات والكفاءات الوطنية، وكذلك نتيجة للضغوط التي مارستها الفئات الوطنية والدينية في الداخل بهدف الحفاظ على قيم المجتمع وثقافته الوطنية، إلا أن هذه النسب لا تزال مرتفعة تحت ضغط مطالب الجمهور بزيادة ساعات البث، وبسبب المنافسة في البرامج مع الدول المجاورة، وافتتاح المزيد من القنوات، فالعديد من الدول العربية افتتحت قنوات تلفزيونية باللغة الإنجليزية، كالقناة الثانية في تلفزيون المملكة العربية السعودية التي افتتحت عام 1983م، والتي تشكل البرامج المستوردة فيها نسبة مرتفعة .
* ماجستير أصول التربية ، محاضر غير متفرغ بجامعة القدس المفتوحة – فلسطين.
أ/ محمد عطية أبو فودة*
لقد تعاظم دور وسائل الإعلام، وقدرتها على التأثير في كافة مناحي الحياة في المجتمع عقب انتشارها على نطاق واسع منذ الربع الأخير من القرن العشرين، لذلك أخذت الحكومات -على اختلاف مذاهبها الفكرية- تخصص لها أقساماً تشرف عليها وتوجهها نحو تحقيق أهدافها الداخلية من حيث رفع مستوى ثقافة الشعب، وحسن أداء أفراده لوظائفهم، وإكسابهم القيم المرغوبة، وكذلك أهدافها الخارجية من حيث تعريف العالم بحضارة شعوبها، ووجهة نظرها في القضايا العالمية وغيرها، كما اتخذت المؤسسات الإجتماعية من وسائل الإعلام موقفاً مشابهاً لموقف الحكومات، فاهتمت بها، وبالتخطيط لاستخدامها، ورأت فيها وسيلة تساعد على تحقيق أهدافها أيضاً .
ويرى الباحث أن وسائل الإعلام تسهم بدور هام في نشر المعرفة الإنسانية وزيادة قدرات الإنسان على مواجهة مشكلاته ومعالجتها، فضلاً عن التثقيف والتوجيه والتعارف الإجتماعي والتنشئة الإجتماعية، وبالتالي فهي تعتبر أدوات هامة في تحقيق الأهداف التربوية، فالتربية بمفهومها الواسع لا تقتصر على مرحلة زمنية معينة من عمر الإنسان، وإنما تمتد من الطفولة إلى الكبر، كما أنها لا تنحصر في دائرة التعليم الرسمي فحسب، بل تمتد لتستوعب كل موقف من مواقف الحياة، وكل خبرة من خبراتها .
وفي هذا السياق يؤكد (براميلد) Brameld على أن فلسفة التربية تهدف إلى إعادة صياغة المجتمع بشكل جديد من خلال إعادة تكوين الإنسان وفقاً لأهداف وقيم المجتمع الذي يعيش فيه هذا الإنسان .
وبذلك يعتبر الإعلام نظام تربوي موازٍ، يستجيب لمطالب التربية المستمرة باستمرار الحياة، حيث أن التعليم الرسمي لا يمكنه- منفرداً- تحمل كافة الأعباء التربوية في المجتمع مهما كانت مدته، كما أنه لم يعد قادراً على مواجهة واستيعاب النمو السريع في المعرفة الإنسانية في مجالاتها المختلفة .
إن التربية والإعلام عنصران ثقافيان متلازمان ومتفاعلان يلتقيان على أرضية مشتركة، لدرجة يمكن معها القول بأن العملية الإعلامية في بعض جوانبها هي عملية تربوية، كما أن العملية التربوية في بعض جوانبها هي عملية إعلامية، فالتربية بمعناها المقصود هي تلك العملية القصدية التي يتم عن طريقها توجيه الأفراد الإنسانيين لتحقيق نموهم، وهي بمعناها الواضح الحياة بكل ما تشتمل عليه من خبرات وعلاقات، والإعلام في أساسه عملية توجيه الأفراد الإنسانيين من خلال تزويدهم بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق المؤكدة التي تساعدهم في تكوين رأي صائب في واقعة من الوقائع، أو مشكلة من المشاكل.
كما أن التربية في جوهرها هي عملية اتصال Communication Process، والإعلام كذلك، إضافة إلى أن كلاهما يتعامل مع المجتمع ويهدف لخدمته، هذه الخدمة التي يمكن تحقيقها عندما يسير الإعلام والتربية في تآزر وتعاون في إطار قيم المجتمع وأهدافه .
غير أن أهم أوجه الخلاف بين التربية والإعلام هو أن التربية تهدف إلى مساعدة الأفراد على النمو بشكل يمكنهم من اكتساب العضوية النافعة لأنفسهم وللمجتمع، في حين أن الإعلام غالباً ما يتفاعل مع الأفراد على اعتبار أنهم قد تحقق لهم النمو، وأصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية، فيقدم لهم بعض التوجيه والتثقيف، ويغمرهم ببرامج الترفيه، والتسلية، والدعاية، والإعلانات، هذا بالإضافة إلى تغاضي الإعلاميين عن تطبيق مفهوم التغذية الراجعة من خلال الرسائل الإعلامية لوسائل الإعلام المختلفة.
وفي الدول النامية غالباً ما تحتل البرامج الأجنبية مساحة واسعة من الرسالة الإعلامية لوسائل الإعلام، نتيجة لضعف إمكاناتها المالية، وتدني مستوى الخبرة الفنية في مجال الإنتاج الإعلامي، مما يعرض الثقافات الوطنية لتلك الدول لخطر الغزو الثقافي، ويهدد المنظومة القيمية لدى شعوبها.
ومن الدراسات الهامة التي أظهرت مدى اعتماد الدول النامية على البرامج التلفزيونية المستوردة من الغرب، دراسة أجريت في جامعة تامبر الفلنديةUniversity Of Tampere في عام 1974م، وقد أظهرت هذه الدراسة أن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تصدر إلى العالم ما بين (100000-200000) ساعة من البرامج التلفزيونية كل عام، كما أظهرت نتائج هذه الدراسة كذلك أن نسبة البرامج التلفزيونية التي تستوردها بلدان الشرق الأوسط تصل إلى أكثر من (50%) من البرامج المعروضة، ومن بين الدول التي شملتها الدراسة في عام 1974م، دولة الكويت التي كانت تستورد آنذاك (56%) من برامجها التلفزيونية، والعراق (52%)، ولبنان (40%)، والمملكة العربية السعودية (31 %)، وجمهورية مصر العربية (41%)، وجمهورية اليمن الشعبية (57%)، وإمارة أبو ظبي ( 72%) .
ومن المتوقع أن تكون هذه النسب قد انخفضت خلال العقود الثلاثة الماضية، نظراً لأن بعض الدول العربية قد أخذت في زيادة إنتاجها المحلي من البرامج التلفزيونية مع تزايد توافر الخبرات والكفاءات الوطنية، وكذلك نتيجة للضغوط التي مارستها الفئات الوطنية والدينية في الداخل بهدف الحفاظ على قيم المجتمع وثقافته الوطنية، إلا أن هذه النسب لا تزال مرتفعة تحت ضغط مطالب الجمهور بزيادة ساعات البث، وبسبب المنافسة في البرامج مع الدول المجاورة، وافتتاح المزيد من القنوات، فالعديد من الدول العربية افتتحت قنوات تلفزيونية باللغة الإنجليزية، كالقناة الثانية في تلفزيون المملكة العربية السعودية التي افتتحت عام 1983م، والتي تشكل البرامج المستوردة فيها نسبة مرتفعة .
* ماجستير أصول التربية ، محاضر غير متفرغ بجامعة القدس المفتوحة – فلسطين.