ابومحمد
29-Nov-2007, 12:50 PM
إذا كنت قد تعثرت في دراستك الأكاديمية سواء في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية أو حتى الجامعية فإنك قد تكون مصاباً ب "الجرثومة المدمرة في التعليم" وهي شعور بالإحباط ينتاب الشخص أثناء الدراسة نتيجة تعثره في بعض أو احدى المواد الدراسية كالرياضيات أو العلوم أو اللغات مما يعطي الإنسان انطباعاً سلبياً خاطئاً عن قدراته الذهنية في التعلم فيكون القصور صفة ذاتية تلازم الإنسان طول حياته.
إن الطفل الذي يدرس اللغة الإنجليزية في الرياض ليس كمن يتعلمها في لندن أو نيويورك فالبيئة لها دور أساسي في عملية التعلم وقد يكون شحها في اللغات أو في الرياضيات أو في العلوم سبباً في نفور الطلاب من تلك المواد وربما يصدهم ذلك عن الدراسة كلها، ليس قصوراً في قدراتهم الذهنية ولكن في شح المواد الضرورية للبناء الذهني وهذا ما سماه سيمور بابرت - عالم المعرفة في معهد ام آي تي الأمريكي - ب "الجرثومة المدمرة في التعليم".
يقول بابرت ان هناك نسبة كبيرة مؤكدة بالبحوث من البشر قد يئسوا من عملية التعلم فهم لا ينسجمون معه ولا يجيدونه ولا يستمتعون به وهناك نسبة أخرى لم يتوقفوا عن التعلم ولكنهم يعيشون وسط بعض الاعتقادات الاجتماعية السلبية الخاطئة عن قدراتهم العقلية.
وبالرغم من إمكانية إزالة تلك الصور السلبية الخاطئة إلا أنها تكون أحياناً قوية وذاتية التأقلم وتصعب إزالتها، فإذا اعتقد الإنسان أنه يكره "الرياضيات" أو "العلوم" أو "اللغات" فإنه غالباً ما ينجح في منع نفسه من تعلم أي شيء اسمه "رياضيات" أو "فيزياء" أو غير ذلك. وهذا الفشل الشخصي يؤكد المعتقدات السائدة التي تتغلغل ليس في الفرد فقط ولكن في المجتمع كله مما يؤدي إلى الفشل في بعض أو كل المواد الدراسية أو ربما في عملية التعلم برمتها.
ويدعي بابرت أن أطفالنا يكبرون في حضارة تغلغلت فيها فكرة أن هناك "أناس أذكياء" و"أناس أغبياء" وأن التكوين الاجتماعي للفرد هو مجموعة من الرغبات والاستعدادات، فمثلاً هناك أناس جيدون في "الرياضيات" وأن هناك من لا يفهمونها فتنشأ في نفوس الطلاب مبررات النجاح أو الفشل ليس في مقرر معين بحد ذاته ولكن في الدراسة كلها.
إن الرعب من تعلم الرياضيات - مثلاً - والمتفشية في مجتمعنا ما هي إلا ظاهرة تتفاعل مع السموم البيئية الأخرى حول الميول والاتجاهات تمثل الخطوة الأولى في عملية هجومية على العقل البشري تؤدي إلى تعريف خاطئ لذاته ولطاقاته.
إن الأطفال يتعلمون الكثير من الثقافات في السنوات الأولى من نشأتهم مثل اللغة والمنطق والقيم والعادات قبل ذهابهم للمدرسة وبدون تعليم رسمي وهذا ما يسميه التربيون "منهج بياجيه" - عالم المعرفة السويسري الشهير - في التعلم أي أن البيئة توفر المواد الضرورية للبناء الذهني ويتفاعل معها الأطفال فيتعلمونها وكذلك ما نلاحظه من مهارات صغار السن في استخدام التلفونات المحمولة (الجوالات) ومع الكمبيوتر والانترنيت والأجهزة الإلكترونية الأخرى. بدون دراسة رسمية حيث توفر البيئة تلك المواد فيتفاعلون معها ويتقنونها بدون المدرسة والتي تكون في كثير من الأحيان عاجزة عن إمدادهم بالمواد اللازمة للبناء الذهني لبعض المواد الدراسية.
إن هؤلاء الأطفال سيصبحون آباءً في المستقبل وسوف لا يفشلون فقط في نقل الجرثومة الصالحة للتعلم بل سينقلون العدوى إلى أبنائهم، ويصيبونهم ب "الجرثومة المضادة والمدمرة" وهي الرعب من بعض المقررات الدراسية كالرياضيات والعلوم والنحو وغير ذلك ثم الفشل في الدراسة الأكاديمية بكاملها.
فإذا كان هذا هو وضعنا الاجتماعي فكيف يمكن تحصين أنفسنا من تلك الجرثومة؟ يجمع التربيون أمثال بياجيه وبابرت أن البداية يجب أن تكون من المرحلة الابتدائية بحيث يجب أولاً أن ينضج الأطفال عضوياً بمعنى أن لا يتم تدريسهم إلا بعد سن السابعة وثانياً يجب وضع بيئة غنية بالمواد والمثيرات التي تحفزهم على التفاعل معها بحيث تكون الغرف الدراسية صالات فسيحة تكون فيها المختبرات والمعامل ويكون لكل مادة صالة خاصة بها وبطاولات مستديرة يتمحور حولها الطلاب على شكل حلقات حيث أثبتت البحوث أنهم يتعلمون من بعضهم أكثر مما يتعلمونه من مدرسيهم وثالثاً وجود مدرسين أكفاء مدركين لطبيعة التعلم يقومون بإثارة غرائز الأطفال الفضولية ويكون التعلم مليئاً بالاكتشاف الحر بعيداً عن الفصول الضيقة والتلقين الروتيني الممل والذي يمثل الوضع الحالي في مجتمعنا.
د. محمد بن علي الملق
@ أستاذ مشارك في مناهج وتعليم الرياضيات
متقاعد
جامعة الملك سعود
إن الطفل الذي يدرس اللغة الإنجليزية في الرياض ليس كمن يتعلمها في لندن أو نيويورك فالبيئة لها دور أساسي في عملية التعلم وقد يكون شحها في اللغات أو في الرياضيات أو في العلوم سبباً في نفور الطلاب من تلك المواد وربما يصدهم ذلك عن الدراسة كلها، ليس قصوراً في قدراتهم الذهنية ولكن في شح المواد الضرورية للبناء الذهني وهذا ما سماه سيمور بابرت - عالم المعرفة في معهد ام آي تي الأمريكي - ب "الجرثومة المدمرة في التعليم".
يقول بابرت ان هناك نسبة كبيرة مؤكدة بالبحوث من البشر قد يئسوا من عملية التعلم فهم لا ينسجمون معه ولا يجيدونه ولا يستمتعون به وهناك نسبة أخرى لم يتوقفوا عن التعلم ولكنهم يعيشون وسط بعض الاعتقادات الاجتماعية السلبية الخاطئة عن قدراتهم العقلية.
وبالرغم من إمكانية إزالة تلك الصور السلبية الخاطئة إلا أنها تكون أحياناً قوية وذاتية التأقلم وتصعب إزالتها، فإذا اعتقد الإنسان أنه يكره "الرياضيات" أو "العلوم" أو "اللغات" فإنه غالباً ما ينجح في منع نفسه من تعلم أي شيء اسمه "رياضيات" أو "فيزياء" أو غير ذلك. وهذا الفشل الشخصي يؤكد المعتقدات السائدة التي تتغلغل ليس في الفرد فقط ولكن في المجتمع كله مما يؤدي إلى الفشل في بعض أو كل المواد الدراسية أو ربما في عملية التعلم برمتها.
ويدعي بابرت أن أطفالنا يكبرون في حضارة تغلغلت فيها فكرة أن هناك "أناس أذكياء" و"أناس أغبياء" وأن التكوين الاجتماعي للفرد هو مجموعة من الرغبات والاستعدادات، فمثلاً هناك أناس جيدون في "الرياضيات" وأن هناك من لا يفهمونها فتنشأ في نفوس الطلاب مبررات النجاح أو الفشل ليس في مقرر معين بحد ذاته ولكن في الدراسة كلها.
إن الرعب من تعلم الرياضيات - مثلاً - والمتفشية في مجتمعنا ما هي إلا ظاهرة تتفاعل مع السموم البيئية الأخرى حول الميول والاتجاهات تمثل الخطوة الأولى في عملية هجومية على العقل البشري تؤدي إلى تعريف خاطئ لذاته ولطاقاته.
إن الأطفال يتعلمون الكثير من الثقافات في السنوات الأولى من نشأتهم مثل اللغة والمنطق والقيم والعادات قبل ذهابهم للمدرسة وبدون تعليم رسمي وهذا ما يسميه التربيون "منهج بياجيه" - عالم المعرفة السويسري الشهير - في التعلم أي أن البيئة توفر المواد الضرورية للبناء الذهني ويتفاعل معها الأطفال فيتعلمونها وكذلك ما نلاحظه من مهارات صغار السن في استخدام التلفونات المحمولة (الجوالات) ومع الكمبيوتر والانترنيت والأجهزة الإلكترونية الأخرى. بدون دراسة رسمية حيث توفر البيئة تلك المواد فيتفاعلون معها ويتقنونها بدون المدرسة والتي تكون في كثير من الأحيان عاجزة عن إمدادهم بالمواد اللازمة للبناء الذهني لبعض المواد الدراسية.
إن هؤلاء الأطفال سيصبحون آباءً في المستقبل وسوف لا يفشلون فقط في نقل الجرثومة الصالحة للتعلم بل سينقلون العدوى إلى أبنائهم، ويصيبونهم ب "الجرثومة المضادة والمدمرة" وهي الرعب من بعض المقررات الدراسية كالرياضيات والعلوم والنحو وغير ذلك ثم الفشل في الدراسة الأكاديمية بكاملها.
فإذا كان هذا هو وضعنا الاجتماعي فكيف يمكن تحصين أنفسنا من تلك الجرثومة؟ يجمع التربيون أمثال بياجيه وبابرت أن البداية يجب أن تكون من المرحلة الابتدائية بحيث يجب أولاً أن ينضج الأطفال عضوياً بمعنى أن لا يتم تدريسهم إلا بعد سن السابعة وثانياً يجب وضع بيئة غنية بالمواد والمثيرات التي تحفزهم على التفاعل معها بحيث تكون الغرف الدراسية صالات فسيحة تكون فيها المختبرات والمعامل ويكون لكل مادة صالة خاصة بها وبطاولات مستديرة يتمحور حولها الطلاب على شكل حلقات حيث أثبتت البحوث أنهم يتعلمون من بعضهم أكثر مما يتعلمونه من مدرسيهم وثالثاً وجود مدرسين أكفاء مدركين لطبيعة التعلم يقومون بإثارة غرائز الأطفال الفضولية ويكون التعلم مليئاً بالاكتشاف الحر بعيداً عن الفصول الضيقة والتلقين الروتيني الممل والذي يمثل الوضع الحالي في مجتمعنا.
د. محمد بن علي الملق
@ أستاذ مشارك في مناهج وتعليم الرياضيات
متقاعد
جامعة الملك سعود